
في كشفٍ يربط حاضر الصعيد بماضيه الضارب في الجذور، نجحت البعثة المصرية الفرنسية بقرية “العركي” بقنا في استعادة ملامح مدينة “شيخ العرب همام” التاريخية، كاشفةً في الوقت ذاته عن أسرار جبانة بيزنطية ترقد تحت ثراها، لتُقدم دليلاً حياً على تواصل الحضارات في قلب صعيد مصر.
امتدادٌ حضاري
وقد استعرضت أعمال الحفائر تفاصيل معمارية دقيقة للحياة اليومية في العصر الإسلامي المتأخر، حيث تم الكشف عن ستة منازل ملحقة بمبانٍ خدمية وجزء من منطقة صناعية مجاورة، وأظهرت الدراسات الأولية تنوعاً في أساليب التسقيف بين استخدام القباب المشيدة من الطوب اللبن وجذوع النخيل، في حين احتفظت بعض الغرف ببقايا طلاء من الجير الأبيض، وهو ما يعكس طبيعة العمارة المحلية في تلك الحقبة، كما تعززت هذه الرؤية بالعثور على لقى أثرية متنوعة ضمت عملات برونزية وقطعاً فخارية وألعاب أطفال وحلي وقطع نسيج، مما يقدم دليلاً مادياً ملموساً على طبيعة الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية التي ميزت الموقع.
وعلى مستوى العمق التاريخي الأقدم، كشفت البعثة في الطبقات السفلى عن جبانة العصر البيزنطي التي ضمت نمطين من الدفنات، ما بين الدفن المباشر في التربة أو التحديد بمداميك الطوب اللبن، وقد عُثر داخل هذه الدفنات على كنوز من النسيج القبطي المعروف بـ”القباطي” الذي يزين “التونيك” الجنائزي بأشرطة زخرفية نباتية وهندسية وحيوانية غاية في الدقة، بالإضافة إلى رموز وحروف قبطية وأشكال الصليب، كما برز بين المكتشفات ختم نحاسي كان يستخدم في زخرفة الكعك، ليربط بين طقوس الماضي وعادات المصريين الممتدة حتى يومنا هذا.
وتمثل هذه المكتشفات في قرية “العركي” نموذجاً فريداً لعلم الآثار الأنثروبولوجي، حيث لا تكتفي البعثة برصد المباني والجدران، بل تغوص في سيكولوجية المجتمع المصري وتطوره عبر العصور، وكيف استطاع الإنسان الصعيدي تطويع خامات البيئة المحلية من طوب لبن وأخشاب النخيل لبناء حضارة صامدة رغم تقلبات المناخ والظروف السياسية، وهو ما يفتح الباب أمام الباحثين لإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي لتلك المنطقة بعيداً عن الروايات الشفهية وحدها.
كما تضع هذه النتائج العلمية محافظة قنا على قائمة الاهتمامات السياحية المعتمدة على “سياحة الآثار الإسلامية والقبطية”، حيث يبرهن الكشف على أن منطقة “فرشوط” والقرى المحيطة بها كانت بمثابة مراكز إشعاع حضاري ومحاور ربط تجاري وصناعي هامة، مما يستوجب وضع خطة لتطوير الموقع وتحويله إلى مزار أثري يروي قصة كفاح “شيخ العرب همام” ويحتفي بالإرث البيزنطي القبطي الذي يمثل ركيزة أساسية في الهوية المصرية.
ويأتي هذا الكشف ليمثل إضافة علمية وتاريخية كبرى، حيث يسهم بشكل مباشر في دراسة أنماط الاستيطان البشري والممارسات الجنائزية والأنشطة الصناعية في صعيد مصر عبر العصور، كما يفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين لفهم التطور الجغرافي والتركيز السكاني في المنطقة الممتد من العصر البيزنطي صعوداً إلى العصر الإسلامي.
