
لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالأساليب التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا طرفًا أساسيًا في إدارة الصراعات الحديثة من خلال الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، لتتحول البيانات والخوارزميات إلى أدوات حسم قد تسبق إطلاق الرصاص، وفي هذا التقرير نرصد كيف غيرت الثورة التكنولوجية شكل الحروب؟
الفضاء ساحة للتنافس
تلعب الأقمار الصناعية دورًا رئيسيًا في الاتصالات العسكرية وتحديد المواقع وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومع تزايد الاعتماد عليها، تصاعدت المخاوف من استهدافها أو تعطيلها في حال اندلاع نزاعات كبرى، ما قد يؤدي إلى شلل واسع في أنظمة الاتصالات والملاحة.
وقد أطلقت شركة “سبيس إكس” (SpaceX) المملوكة للملياردير إيلون ماسك أكثر من 10,000 قمر صناعي ضمن شبكة «ستارلينك» لخدمة الإنترنت، لتصبح بذلك أكبر أسطول أقمار صناعية في التاريخ. ويمنحها هذا التفوق ميزة تنافسية في تنفيذ المشاريع الدفاعية واسعة النطاق.
ويأتي هذا العقد في إطار مشروع “القبة الذهبية” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز قدرات الولايات المتحدة الدفاعية في الفضاء، وفقاً لمصادر مطلعة على تفاصيل المشروع نقلت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وتُعد “SpaceX” اليوم الشركة الأكثر نشاطاً في إطلاق الصواريخ عالمياً، بفضل هيمنتها عبر صاروخ “فالكون 9″، الذي ينقل الأقمار الصناعية ورواد الفضاء إلى المدار، كما تتصدر الشركة قطاع الإنترنت الفضائي من خلال شبكة “Starlink”، التي تضم آلاف الأقمار الصناعية وتخدم ملايين المستخدمين حول العالم.
فالسباق نحو الفضاء يتصاعد، خاصة بين القوى الكبرى، ما يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مستقبل الأمن العالمي خارج الغلاف الجوي، لأن تعطيل قمر صناعي قد يعني شللًا في أنظمة الملاحة والاتصال، وهو ما يضع الفضاء ضمن حسابات الردع الاستراتيجي.
الذكاء الاصطناعي
أدخلت عدة دول أنظمة تحليل بيانات متقدمة في عملياتها العسكرية، ما أتاح سرعة غير مسبوقة في جمع المعلومات وتحديد الأهداف، وخلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لعبت تقنيات الاستطلاع الرقمي وتحليل الصور عبر الأقمار الصناعية دورًا محوريًا في إدارة العمليات الميدانية، لتحديد مواقع استراتيجية خلال وقت قياسي.
وقد لعبت شركة Palantir Technologies دورًا محوريًا في الاستخبارات الحكومية، والخدمات اللوجستية الدفاعية فهى معروفة بنشاطها المكثف مع وكالات الأمن الأمريكية، فقد حصلت على عقد بقيمة 480 مليون دولار مع الجيش الأمريكي لتطوير نظام “مافن” (Maven) الذكي، وهو نظام ذكاء اصطناعي متطور صُمم لتحديد أنظمة الخصم في الوقت الفعلي.
ويستفيد نظام “مافن” المستخدم حاليًا في منطقة القيادة المركزية في الشرق الأوسط من الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات من أنظمة استخبارات ومراقبة واستطلاع متعددة، ويحدد المخاطر المحتملة بسرعة ودقة عالية، من خلال تحليل الصور الفضائية والتعرف على الأنماط لتحليل تحركات القوات وتحديد الأهداف بدقة عالية، ما يقلل اعتماد القائد على التقدير البشري، في محاولة لمساندة العمليات العسكرية عبر تقليل الوقت اللازم لاكتشاف التهديدات والاستجابة لها، طبقًا لما ورد بتقرير لولاية كنتاكي.
الطائرات المسيرة
أصبحت الطائرات بدون طيار عنصرًا أساسيًا في النزاعات الحديثة، نظرًا لانخفاض تكلفتها مقارنة بالأسلحة التقليدية، وقدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة.
وأجرت شركة “أندوريل إندستريز” (Anduril Industries) الأمريكية في سبتمبر الماضي، اختبارات إطلاق ناجحة لنماذج أولية من طائرة Roadrunner المسيّرة، وأظهرت آخر المستجدات نجاح أندوريل في اختبار الأنظمة المضادة للطائرات المسيّرة، واستمرارها في لعب دور مهم بالدفاع عن الولايات المتحدة في ساحة المعركة الحديثة.
كما عملت الشركة المتخصصة في تقنيات الدفاع والأنظمة المستقلة ودمج الذكاء الاصطناعي، على تطوير عائلة مركبات Roadrunner كجزء من محفظتها لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، وفق مجلة “The National Interest”.
ويؤكد محللون عسكريون أن هذا النوع من التكنولوجيا غير ميزان القوى في عدة صراعات إقليمية، ومنح أطرافًا أقل تسليحًا قدرة على إحداث تأثير عسكري ملموس، فانخفاض تكلفتها مقارنة بالمقاتلات التقليدية جعلها أداة فعالة ليس فقط للدول الكبرى، بل أيضًا لقوى إقليمية وأطراف غير نظامية.
الحرب السيبرانية
بالتوازي مع المعارك التقليدية، تصاعدت وتيرة الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، شبكات الكهرباء، فالهجمات السيبرانية قادرة على شل البنوك، والمطارات، وشبكات الاتصالات، وحتى أنظمة الدفاع.
وسجلت السنوات الأخيرة تبادل اتهامات بين قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين بشأن هجمات واختراقات إلكترونية، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة خارج ساحات القتال التقليدية.
وفي يوليو الماضي، تسبب انهيار تكنولوجي عالمي بسبب تحديث خاطئ لبرنامج من شركة الأمن السيبراني “كراود سترايك”، في تعطيل حركة الطيران، ما أدى إلى إيقاف الرحلات الجوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وقال محللون في ذلك الوقت إن الحادث سلط الضوء على مدى ضعف القطاع في مواجهة مشاكل الأنظمة الرقمية.
وسائل التواصل الاجتماعي
لم تعد المعركة ميدانية فقط، فوسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى جبهة موازية، من خلال تضليل المعلومات، مقاطع الفيديو المفبركة، فالجيوش الإلكترونية باتت أدوات لتشكيل الرأي العام، فهناك جنود بعيدة عن ساحة المعركة ولكن قريبة من شاشة الكمبيوتر، لتنشئ حملات تصعيد مكثفة ضد الطرف الآخر.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد الأمن القومي مرتبطًا فقط بالقوة العسكرية، بل بمدى جاهزية البنية الرقمية للدولة وقدرتها على حماية بياناتها وأنظمتها الحيوية، لذا فالدول التي لا تستثمر في الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية بنيتها الرقمية، قد تجد نفسها مهزومة قبل أن تدرك أنها دخلت الحرب.
فالحروب القادمة قد لا تبدأ بصوت المدافع، بل بانقطاع شبكة، أو هجوم رقمي يعيد رسم موازين القوى في لحظات.
أقرأ أيضا:
شبكات الجيل الخامس.. ماذا تعني للمواطن؟
الابتزاز الإلكتروني.. اعتداء مباشر على حرية الأفراد
