البلد خانةسليدر

كيف أعادت الإسكندرية صياغة سحر بئر مسعود؟

 

تزخر مدينة الإسكندرية بإرث ثقافي وتاريخي فريد جعلها عبر العصور منارة شكلت وجدان الحضارة الإنسانية، بما تحتضنه من مواقع أثرية ومعالم تراثية ارتبطت بهويتها الساحلية المميزة، وانطلاقاً من هذا الرصيد الحضاري العريق، تبذل الدولة المصرية جهوداً متكاملة لصون هذا الإرث وتطويره بأسلوب حضاري، يضمن نقله للأجيال القادمة ويعيد للمدينة وجهها المشرق كلياً في عام 2026، باعتبارها مقصداً سياحياً عالمياً يعكس عمق التاريخ.

وفي سياق هذه الجهود المتسارعة، أعلنت محافظة الإسكندرية عن تنفيذ مشروع تطوير منطقة “بئر مسعود” بميامي شرقي المحافظة خلال مدة قياسية لم تتجاوز 6 أشهر، حيث إن هذا المشروع لا يعد مجرد عملية تجميلية، بل هو رؤية استراتيجية توازن بذكاء بين الإتاحة المجتمعية والحفاظ على الطابع التراثي؛ حيث يرتكز في مقامه الأول على فتح الرؤية البصرية الكاملة للبحر أمام المواطنين عبر مدرجات واسعة ومفتوحة، تضمن حق الجميع في الاستمتاع بالمنظر الطبيعي الخلاب دون أي مقابل مادي، محطماً بذلك حواجز الرؤية التي استمرت لسنوات.

متنفس حضاري متكامل

ولا تتوقف جماليات المشروع عند حدود الرؤية فقط، بل تمتد لتشمل البعد الوظيفي والترفيهي؛ إذ يتضمن إنشاء مناطق جلوس متنوعة في مستويات مختلفة أسفل تلك المدرجات، مما يخلق مساحات مريحة تناسب كافة الفئات العمرية ويحول المنطقة إلى متنفس حضاري متكامل. وبينما تمضي أعمال التحديث قدماً، تؤكد المحافظة على أن التطوير يسير جنباً إلى جنب مع الحفاظ الكامل على مكانة البئر التاريخية؛ حيث سيتم تخليد قيمته الثقافية عبر جدارية تعريفية تسلط الضوء على تاريخه، بما يضمن رفع الوعي المجتمعي بأهمية هذا الموقع الرمزي المرتبط بذاكرة السكندريين.

ولإضفاء لمسة عصرية تكتمل بها اللوحة الجمالية، استحدث المشروع منظومة إضاءة حديثة تعتمد على أعمدة مستوحاة من شكل النخل الصناعي، مما يجعل المنطقة واحدة من أرقى النقاط المجانية على كورنيش الإسكندرية، خاصة في فترات المساء التي تشهد تحولاً جذرياً بفضل التكنولوجيا الضوئية.

وبجانب هذه اللمسات الجمالية، يولي المشروع أهمية قصوى لمعايير “الاستدامة البيئية” وسهولة الوصول؛ حيث تم تجهيز المنطقة بمسارات مخصصة لذوي الهمم تضمن وصولهم السلس إلى أقرب نقطة من البحر، بالإضافة إلى استخدام مواد بناء صديقة للبيئة ومقاومة للعوامل الجوية والملوحة، مما يضمن استدامة المشروع لسنوات طويلة. كما تم تزويد المنطقة بنظام مراقبة ذكي وخدمات نظافة دورية متطورة، تماشياً مع خطة “الرقمنة” التي تتبناها الإسكندرية في إدارة مرافقها.

وعلى صعيد القيمة الاقتصادية والاجتماعية، تحول بئر مسعود بعد تطويره إلى “مركز جذب” للفعاليات الثقافية والفنية التي تتناسب مع طبيعة المكان؛ مثل معارض الصور الفوتوغرافية التي توثق تاريخ المدينة، أو العروض الموسيقية الهادئة، إذ إن هذا التوجه يُسهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد المحلي الصغير، ويخلق فرصاً جديدة للشباب والمبدعين للتفاعل مع الجمهور في بيئة حضارية آمنة، مما يعزز من مفهوم “المساحات العامة التفاعلية” التي تخدم جودة الحياة.

يبرهن مشروع تطوير بئر مسعود على أن الحفاظ على التاريخ لا يعني التوقف عنده، بل هو عملية إحياء مستمرة تجعل من عبق الماضي جسراً يعبر بنا نحو المستقبل؛ فالإسكندرية، وهي تستقبل هذا المشروع في ثوبها الجديد لعام 2026، تؤكد للعالم أنها تظل دائماً “عروس البحر” التي لا تشيخ؛ مدينة تعرف كيف تفتح ذراعيها لزائريها، وتمنحهم الأمل والجمال عبر رؤية بصرية لا يحجبها عائق، وقيمة تاريخية تزداد بريقاً مع مرور الزمن.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12819

موضوعات ذات صلة

مختبر السعادة.. الجانب الخفي في لغة الصمت

أيمن مصطفى

التعليم : إجراءت جديدة لإصلاح ا”لمنظومة” في ٢٠٢٦    

اسماء ابوبكر

جامعة أسيوط تبرز في تصنيف شنغهاي الدولي لعام 2025

أحمد الفاروقى

فريد الأطرش يعود إلى الذاكرة… لإحياء أسطورة العود

حسن عبدالعال

تكريم سيدة مسنة بقنا تختم القرآن

أحمد الفاروقى

“الرحماني” يحسم ماراثون الإعادة في المنتزه بالإسكندرية

أيمن مصطفى