
في قلب محافظة الشرقية، وعلى بعد كيلومترات قليلة من مدينة الزقازيق، توجد قرية صغيرة تحمل اسم “البسايسة”، لكنها أصبحت نموذجًا يحتذى به على مستوى مصر وحتى خارجها.. «صوت البلد» انتقلت لتتعرف على سر شهرتها الذي لم يكن في حجمها أو عدد سكانها، بل في ابتكار أبنائها الذين حولوا الشمس إلى مصدر دائم للطاقة الكهربائية، محققين نقلة نوعية في حياتهم اليومية وخدمة مجتمعهم.
وراء هذا الإنجاز يقف الدكتور صلاح عرفة، أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية، الذي بدأ قبل أكثر من خمسة عقود مشروعه الطموح لاستخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، فغيّر شكل الحياة في القرية بالكامل، وجعلها مركزًا للتجارب والمبادرات المستدامة، يستفيد منها الأهالي ويتعلم منها الزائرون من جميع أنحاء الجمهورية.
50 عامًا من التجربة.. الطاقة الشمسية في خدمة الأهالي
على مدار أكثر من نصف قرن، اعتمد أهالي البسايسة على الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، ووصل بهم الأمر إلى توزيع الطاقة على المنازل بأسعار رمزية، وتشغيل مسجد القرية بالكامل بالطاقة الشمسية. كما استخدموا سخانات المياه بالطاقة الشمسية لتلبية احتياجاتهم اليومية، ما جعل القرية مقصدًا للزائرين من مختلف أنحاء مصر للتعرف على تجربتهم الفريدة.
يروي المهندس سليمان حسيني، مسؤول المشروعات في جمعية البسايسة، أن فكرة توليد الكهرباء من الشمس بدأت عام 1974 عندما أحضر الدكتور صلاح نموذجًا مصغرًا للوح طاقة شمسية لتشغيل جهاز راديو. اندهش الأهالي من قدرة الجهاز على العمل بدون كهرباء تقليدية، ومع الشرح والتجربة العملية بدأ الأهالي بالاقتناع بالفكرة، وتطور المشروع ليشمل تشغيل التلفزيون وتشغيل مباريات كرة القدم لمجموعة من الأهالي في مضيفة القرية.

جمعية تنمية المجتمع.. الكهرباء للجميع باشتراك رمزي
مع نجاح التجربة، تم تأسيس جمعية تنمية المجتمع في البسايسة، حيث تم تشغيل مبنى الجمعية والحضانة بالطاقة الشمسية، وتم توزيع الكهرباء المخزنة على المنازل بأجر رمزي، مع إمكانية زيادة القدرة الكهربائية لكل منزل حسب احتياجاته.
وفي عام 2017، وبجهود الأهالي الذاتية، تم إنشاء أول محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية أعلى سطح جمعية البسايسة. تتكون المحطة من مجمعين لكل منهما 10 خلايا من السليكون تمتص أشعة الشمس وتولد الكهرباء، لتزويد الجمعية والمنازل والمسجد بالطاقة الكهربائية، مع وجود بطاريات لتخزين الفائض وتوزيعه على الأهالي.
سخانات مياه بالطاقة الشمسية ومشاريع البيوجاز
ولم تتوقف الابتكارات عند هذا الحد، فقد تم تطوير سخانات مياه تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير مياه ساخنة طوال اليوم للمباني العامة، بما في ذلك الجمعية والمسجد. كما بدأت التجربة في تطوير مشروع البيوجاز لإنتاج الغاز، لتصبح البسايسة نموذجًا متكاملًا للطاقة النظيفة والمستدامة.
اليوم، أصبحت قرية البسايسة مثالًا يُحتذى به في التحول إلى الطاقة المتجددة، حيث يمكن لأي قرية أو مجتمع صغير أن يستلهم تجربتهم ويطبقها لتوفير الطاقة بأسلوب مستدام وصديق للبيئة، مع تعزيز التفاعل المجتمعي والاعتماد على الجهود الذاتية.
