
مع دقات الساعات الأخيرة من عمر هذا العام، تتحول المدن المصرية إلى مسارح مفتوحة للضوء، حيث يمتزج صخب السهر بدفء المشاعر في ليلة استثنائية لا تعرف النوم. ترسم مصر خريطة فرح ممتدة؛ من صخب “القاهرة” التي تتزين بأبهى حلة لاستقبال 2026، إلى “الإسكندرية” التي تغازل عشاقها برذاذ الموج والذكريات، وصولاً إلى أزقة المحافظات التي تفيض بروح اجتماعية فطرية تجعل من “اللمة” سيدة الموقف. نحن أمام مشهد إنساني يجمع بين روعة “الخروجة” وعمق “الروابط”، حيث تصبح الشوارع والبيوت منصات لإعلان التفاؤل، في ليلة يُكتب فيها دستور الأمل بمداد من الفرح والحركة والجمال.
تتجه أنظار الملايين الليلة صوب الميادين الكبرى والوجهات السياحية، حيث تبلغ احتفالات “الكريسماس” ورأس السنة ذروتها في ليلة استثنائية يسدل فيها الستار على عام 2025. وبين أضواء “الليد” المتلألئة وأشجار الميلاد الشاهقة، تشكلت خريطة الخروجات هذا العام لترضي كافة الأذواق والميزانيات، وسط حالة من الاستنفار الخدمي والأمني لضمان سلامة المحتفلين.
أيقونات الزينة
لم تعد الخروجة مجرد نزهة، بل أصبحت “كادراً” للتصوير؛ حيث تصدرت مناطق الشيخ زايد والتجمع الخامس قائمة الوجهات الأكثر إقبالاً في 2025. وتنافست المولات التجارية الكبرى في تقديم عروض بصرية تعتمد على “الهولوغرام” وتقنيات الإضاءة التفاعلية، مما جعل من أشجار الميلاد العملاقة في “زد بارك” و”كايرو فيستيفال” مزارات سياحية بحد ذاتها، تجذب العائلات الباحثة عن أجواء أوروبية على أرض مصرية.
القاهرة: عروس النيل
في العاصمة، تتنوع الخيارات بين السهرات الفاخرة والفسح المفتوحة، كما يظل محور كورنيش النيل هو الأبرز، حيث تحولت المطاعم العائمة إلى منصات احتفال ضخمة تقدم عروضاً فنية حية وعشاءً فاخراً، وتوفر أفضل إطلالة على الألعاب النارية التي ستضيء السماء فوق النيل عند منتصف الليل. وللشباب، كانت منطقة “الزمالك” بحواريها الهادئة وكافيهاتها الراقية خياراً مثالياً للاحتفال في أجواء أكثر خصوصية.
الإسكندرية: سحر البحر الأبيض في ليلة شتوية
عروس البحر الأبيض المتوسط كان لها نصيب وافر من البهج؛ فلم يتخلَ أهل الإسكندرية عن تقليدهم السنوي بالتجمع على الكورنيش، الذي تزين بأنوار احتفالية خاصة هذا العام؛ فهناك مناطق مثل “سان ستيفانو” و”سبورتنج” شهدت إقبالاً كبيراً على المطاعم والكافيهات المطلة على البحر مباشرةً، حيث يفضل السكندريون الاستمتاع بنسمات البحر الباردة في ليلة رأس السنة، مع تجربة “الترمس” والمشروبات الساخنة على الأرصفة المطلة على الأمواج.
المحافظات تفتح ذراعيها
لم تقتصر الأجواء الاحتفالية على القاهرة والإسكندرية؛ ففي محافظات الدلتا، تحولت الميادين الرئيسية في مدن مثل المنصورة وطنطا إلى نقاط تجمع عائلية. وفي صعيد مصر، شهدت الفنادق الكبرى في الأقصر وأسوان تنظيم حفلات عشاء تقليدية ممزوجة بعروض فلكلورية، جذبت السياح والمواطنين على حدٍ سواء. وتنافست النوادي الاجتماعية في كل محافظة على تقديم برامج ترفيهية خاصة لأعضائها بأسعار مخفضة مقارنة بأسعار العاصمة.
بورصة السهرات.
على ضفاف النيل، رصدت جولاتنا الصحفية إقبالاً منقطع النظير على “ممشى أهل مصر”، الذي بات الخيار الأول للشباب بفضل أسعارها المتوسطة وإطلالته الساحرة. وفي المقابل، انتعشت “بورصة الحفلات” في الفنادق الكبرى، حيث أحيا نجوم الصف الأول سهرات صاخبة شهدت لافتة “كامل العدد”، رغم وصول أسعار التذاكر في فئات “الـ VIP” إلى مستويات قياسية، لتعكس تنوعاً طبقياً واقتصادياً كبيراً في طرق الاحتفال.
سياحة “اليوم الواحد”
بعيداً عن صخب الفنادق، فرضت منطقة “وسط البلد” و”شارع المعز” وجودها كقبلة لـ”الفسحة الشعبية”. وبأقل التكاليف، استمتعت آلاف الأسر بتمشية في شوارع طلعت حرب وقصر النيل، وتناول الوجبات السريعة والمشروبات الدافئة في الهواء الطلق، وسط أجواء احتفالية عفوية تبرز روح المدينة التي لا تنام.
روشتة “السهرة الآمنة”
ومع دخول الساعات الحاسمة قبل “العد التنازلي”، يوصي خبراء المرور والمهتمون بالشأن العام بضرورة تجنب المحاور الرئيسية، لا سيما كوبري أكتوبر وطريق المحور؛ نظراً للكثافة المرورية المتوقعة قبل منتصف الليل. كما يشدد الخبراء على أهمية الالتزام بالحجوزات المسبقة، خاصة وأن الأماكن “التريند” لم تعد تقبل الدخول العشوائي في هذه الليلة. وأخيراً، يُنصح الجميع بارتداء الملابس الشتوية الثقيلة؛ تفادياً لبرودة الطقس في المناطق المفتوحة والمكشوفة.
بينما تضيء الألعاب النارية سماء القاهرة عند منتصف الليل، لا يقتصر الاحتفال على “الخروج” فحسب، بل هو إعلان جماعي عن التفاؤل بعام 2026، في ليلة تبرز فيها قدرة “البهجة” على جمع الناس بمختلف مشاربهم تحت سماء واحدة.
