
بينما يطوي شهر رمضان أوراقه متأهباً للرحيل، تطل علينا “العشر الأواخر” كفرصة أخيرة، ونفحة ربانية لا تضاهيها نفحة، فهي “مضمار السباق” الذي تشتد فيه العزائم، و”سوق الآخرة” الذي يربح فيه المخلصون. وفي هذا السياق الإيماني، التقت “صوت البلد” بالداعية الإسلامي الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، الذي رسم بحروف من نور معالم الطريق لاغتنام هذه الليالي المباركة، مؤكداً أننا بصدد أيامٍ لا تُقاس بالساعات، بل بما تحمله من تجليات إلهية وعطايا سماوية.
موعد القدر
استهل الشيخ مصطفى شلبي حديثه باستحضار الهدي النبوي الشريف، مشيراً إلى أن النبي ﷺ كان يضرب أروع الأمثلة في الجد والاجتهاد مع دخول هذه العشر. وقال الأزهري: “لقد كان الحبيب المصطفى ﷺ إذا دخلت العشر (أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره)، وهي كناية نبوية بليغة عن التفرغ التام للعبادة والبعد عن ملاذ الدنيا، وكأن النبي ﷺ يرسل رسالة لأمته بأن هذه الليالي هي وقت الاستنفار الروحي الأكبر، حيث تُفتح أبواب السماء لاستقبال دعوات التائبين”.
ليلة القدر
وعن “الدرة المكنونة” في هذه الليالي، وهي ليلة القدر، توقف الأزهري عند فضلها الذي يفوق الوصف، مستشهداً بآيات الذكر الحكيم: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وأوضح في تحليل دقيق أن “ألف شهر” تعادل ما يزيد عن 83 عاماً، أي أن ركعة واحدة أو سجدة خاشعة أو دعوة صادقة في هذه الليلة قد تزن في ميزان الله عبادة عُمر كامل لم يفرط فيه العبد. وأضاف: “ليلة القدر هي ليلة كتابة الأقدار، ففيها يُفرق كل أمر حكيم، وهي فرصة لتغيير القدر بالدعاء، وتطهير الصحائف من الأوزار”.
العشر الأواخر
ورداً على التساؤل الدائم حول موعد ليلة القدر، أكد أن إخفاء موعدها في “الوتر” من العشر الأواخر هو اختبار لصدق المحبة وقوة الإرادة. وقال: “المؤمن الصادق لا يبحث عن ليلة واحدة ليهجر المسجد بعدها، بل يترصد النفحات في كل الليالي. فمن قام العشر جميعها، فقد أدرك ليلة القدر يقيناً، وهذا هو جوهر العبودية؛ أن تظل في حالة ترقب واشتياق لخالقك”.
الخلوة الإيمانية
ولم يكتفِ الشيخ مصطفى بالجانب الروحاني البحت، بل قدم “روشتة عمل” للقارىء، داعياً إلى ضرورة الابتعاد عن “صخب الحياة” وضجيج “السوشيال ميديا” في هذه الأيام. مشدداً على أن جبر الخواطر والصدقة وصلة الأرحام هي قرين الصلاة والقيام في هذه الليالي، قائلاً: “ليلة القدر لا تُنال فقط بكثرة الركوع، بل بسلامة الصدر ومواساة الفقراء والبحث عن المحتاجين، فمن جبر خاطر عباد الله، جبر الله خاطره في الدنيا والآخرة”.
دعاء القدر
واختتم الداعية الأزهري حديثه لـ”صوت البلد” بالتذكير بأهم دعاء في هذه المرحلة، وهو ما علمه النبي ﷺ للسيدة عائشة: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني». مؤكداً أن “العفو” مرتبة أعلى من المغفرة، لأنه يعني محو الذنب تماماً من الصحف وكأنه لم يكن. ودعا الله أن يبلغ الأمة المصرية ليلة القدر، وأن يجعلها بوابة للنصر والفرج القريب، وتجديد العهد مع الله على الاستقامة حتى بعد رحيل رمضان.
