
أعاد مقطع فيديو صادم إلى الواجهة جدلاً قديماً حول تأثير الدراما الشعبية في المجتمع ، بعدما وثق واقعة اعتداء مهين تعرض له شاب في قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية، في مشهد أعاد إلى الأذهان لقطة شهيرة من مسلسل الأسطورة الذي قام ببطولته الفنان محمد رمضان وحقق عند عرضه عام 2016 نجاحاً جماهيرياً واسعاً.
الفيديو، الذي انتشر سريعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، أظهر مجموعة من الأشخاص وهم يستدرجون الشاب ويجبرونه على ارتداء ملابس نسائية، قبل التعدي عليه بالضرب والطواف به في شوارع القرية في مشهد وصف بأنه “وحشي ومهين”، هدفه إذلال الضحية أمام أهالي بلدته.
وبحسب التحريات الأولية وشهادات شهود عيان، فإن خلفية الواقعة تعود إلى وجود علاقة عاطفية بين الشاب وابنة أحد المعتدين، حيث تقدّم لخطبتها أكثر من مرة وقوبل طلبه بالرفض، ما دفع أسرتها – وفقاً للروايات المتداولة – إلى تدبير واقعة انتقامية لمنعه من الاقتراب منها مجدداً.
غضب ومطالب بالقصاص
أثار المقطع موجة استنكار واسعة، حيث طالب ناشطون بسرعة القبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة، معتبرين أن ما حدث يمثل صورة صارخة من “البلطجة” والخروج عن القانون والأعراف الاجتماعية. وعبّرت والدة الشاب، في تصريحات متداولة، عن صرخة استغاثة طالبت فيها باسترداد حق نجلها ومحاسبة المتورطين.
اللافت أن كثيرين ربطوا بين الواقعة والمشهد الشهير في مسلسل الأسطورة، الذي قدّم خلاله محمد رمضان شخصية “ناصر الدسوقي” وهو يجبر أحد خصومه على ارتداء “قميص نوم” نسائي في إطار انتقامي. هذا المشهد، الذي أثار جدلاً وقت عرضه، عاد ليصبح محور نقاش جديد حول حدود تأثير الدراما في تشكيل السلوك المجتمعي.
مسؤولية الدراما
وطالب بعض النشطاء بمساءلة صناع العمل، معتبرين أن تكريس صورة “البلطجي” كبطل شعبي يفرض العدالة خارج إطار القانون قد يرسخ مفاهيم مغلوطة لدى بعض الشباب، خاصة في المناطق المهمّشة. فيما رأى آخرون أن تحميل الدراما وحدها مسؤولية سلوك إجرامي هو تبسيط مخل لمشكلة أعمق تتعلق بغياب الوعي وتراجع الردع المجتمعي والقانوني.
وفي نفس السياق، سبق أن عبر الفنان أحمد عبد الله محمود، الذي شارك في المشهد المثير للجدل، عن ندمه على تقديم تلك اللقطة، مؤكداً أنه رغم نجاح العمل، إلا أنه لا يحب هذا المشهد تحديداً لما يحمله من دلالات سلبية.
تحرك أمني عاجل
على الصعيد الرسمي، أعلنت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القليوبية تشكيل فريق بحث جنائي لتحديد وضبط المتورطين في الواقعة. وأكدت وزارة الداخلية أنه تم تحديد هوية عدد من الجناة الظاهرين في الفيديو، وجارٍ اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
وتأتي هذه الحادثة بعد سنوات من وقائع مشابهة شهدتها مناطق متفرقة، من بينها واقعة في مدينة المنصورة أعادت أيضاً مشهد “قميص النوم” إلى أرض الواقع، ما يعمّق التساؤلات حول العلاقة بين الدراما والسلوك الجمعي.
بين الفن والواقع
تبقى الواقعة الأخيرة جرس إنذار جديداً يطرح سؤالاً معقداً: هل تتحمل الدراما مسؤولية مباشرة عن تقليد مشاهدها، أم أن المشكلة تتجاوز الشاشة إلى بيئة اجتماعية تسمح بانتشار ثقافة العنف والتشهير كوسيلة لتصفية الخلافات؟
في كل الأحوال، يظل الفيصل هو سيادة القانون، وتجريم أي محاولة لتحويل مشاهد درامية – مهما كانت مثيرة – إلى ممارسات تنتهك الكرامة الإنسانية، في مجتمع يفترض أن تحكمه العدالة لا منطق القوة.
