
بينما يغرق الكثيرون في لغة الأرقام الجافة والتقارير المالية المعقدة، اختارت الصحفية ميرفانا ماهر طريقاً مختلفاً، جعل من الصحافة الاقتصادية مادة مشوقة تجمع بين العمق المعلوماتي والتحليل الاستقصائي. وفي ليلة عرس الصحافة المصرية لعام 2025، كان اسم “ميرفانا” يتردد بزهو في ردهات نقابة الصحفيين، بعدما نجحت في حجز مقعدها ضمن القائمة القصيرة لجائزة سمير عبد القادر للصحافة الاقتصادية.
تكريم ميرفانا جاء عن سلسلة تحقيقاتها النوعية “عالم السنتي مليونير”، وهي السلسلة التي لم تكن مجرد رصد لثروات، بل كانت غوصاً في طبقة اقتصادية جديدة ومؤثرة، وكشفاً للتحولات التي شهدتها خريطة المال والأعمال، حيث استطاعت ميرفانا أن تبرهن على أن الصحافة الاقتصادية هي “فن البحث عما وراء الأرقام”، لتستحق عن جدارة هذا التقدير النقابي الرفيع. نلتقي بها اليوم لنكشف كواليس رحلتها في عالم الملايين، وكيف ترى مستقبل الصحافة المتخصصة في مصر؛ فإلى نص الحوار:
ماذا يعني لكِ اقتران اسمك بجائزة تحمل اسم الرائد “سمير عبد القادر” وفي تخصص دقيق كالاقتصاد؟
هذه هي المرة الرابعة التي أُكرم فيها بهذه الجائزة، وبالطبع سعادتي غامرة بأن يقترن اسمي باسم واحد من أهم أساتذة الصحافة الاقتصادية. وهذا بمثابة شهادة على التمكن من أدوات ملف صحفي صعب ومتخصص كالملف الاقتصادي.
سلسلة “عالم السنتي مليونير” أحدثت صدى واسعاً؛ من أين جاءت فكرة تسليط الضوء على هذه الفئة تحديداً؟
بالنسبة لفكرة “عالم السنتي مليونير” فقد جاءت نتاج متابعة دقيقة لشؤون الاقتصاد الدولي، وهو المجال الذي تدربتُ عليه وقدمتُ فيه سلاسل صحفية متميزة؛ ومنها سلسلة “واشنطن بكين.. عودة الحرب الباردة” التي نلتُ عنها جائزة سمير عبد القادر سابقاً. ومن خلال هذا الاهتمام والمتابعة، استوقفتني تقارير أصدرتها شركة عالمية متخصصة في السفر وهجرة الأموال، تناولت بزوغ طبقة جديدة من “الثراء الفاحش” تُعرف بـ”السنتي مليونير”.
هذه السلسلة نُشرت في جريدة ‘الدستور’ العام الماضي، وأنا أعتز بها جداً؛ لكونها كانت النواة لكتابي الثاني “أثرياء 5 نجوم”، وهو كتاب متفرد يتناول حياة الأثرياء وكواليس ثرواتهم، ويضم معلومات وحقائق تُنشر لأول مرة باللغة العربية.
أما عن معايير البحث، فقد استندت في البداية إلى المعايير العلمية التي وردت في التقارير الدولية الصادرة عن المؤسسات الأجنبية المتخصصة، وعندما شرعتُ في تأليف كتابي، عملتُ على تطبيق هذه المعايير بدقة على الشأن المصري، لضمان تقديم صورة واقعية وموثقة تنسجم مع طبيعة السوق والاقتصاد المحلي.
الصحافة الاقتصادية تتطلب مصادر شديدة الخصوصية؛ ما هي أكبر التحديات التي واجهتكِ للوصول لمعلومات هذه الطبقة؟
بالتأكيد، واجهتُ تحديات في الوصول إلى معلومات وأرقام دقيقة تخص هذه الطبقة؛ نظرًا لأن أغلب أصحاب الثروات يفضلون عدم الإفصاح عن حجم ممتلكاتهم أو تفاصيل حياتهم الخاصة. لذا، اعتمدتُ بشكل أساسي على المصادر والتقارير الأجنبية الموثوقة، حتى عند تناولي لهذه الفئة داخل مصر، بالإضافة إلى الاستعانة ببعض المصادر الرسمية المصرية، مثل البيانات والإفصاحات الصادرة عن الشركات المُدرجة في البورصة.
سلسلة تحقيقاتك لم تكن “اجتماعية” بل “اقتصادية” بامتياز؛ ما هي الرسالة التي كنتِ تطمحين للوصول إليها؟
تتلخص الرسالة أو النتيجة الاقتصادية في أن عالم الثراء الفاحش ليس بالصورة النمطية التي نتخيلها، بل هو عالم يواجه تحديات معقدة؛ أبرزها قضية “توريث الثروات” للأجيال القادمة، وآليات إدارة الأصول الضخمة، فضلاً عن الأزمات الاجتماعية والنفسية التي قد تترتب على امتلاك ثروات بهذا الحجم.
هل الوصول للقائمة القصيرة في 2025 هو بمثابة رد اعتبار للجهد المبذول في الصحافة الاقتصادية؟
الوصول للقائمة القصيرة هو بلا شك رد اعتبار للصحافة المعمقة، لا الصحافة السريعة “التريند”؛ بل تلك التي يُبذل فيها مجهود بحثي واستقصائي كبير. وأعتقد أن هذا النوع من الصحافة هو الذي سيكتب له الاستمرار في الفترة المقبلة؛ فبعد أن انتهى عصر الخبر المجرد، لم يتبقَّ سوى التحليل الرصين والمعلومة الموثقة. وبالطبع، الفوز بجوائز الصحافة المصرية هو شرف مهني كبير؛ كونها جائزة تتمتع بمصداقية عالية، وتستند إلى معايير دقيقة ولجان تحكيم مهنية ومستقلة.
لماذا التركيز على “السنتي مليونير” تحديداً في ظل الظروف الحالية؟ وهل تعكس نمواً أم تركيزاً للثروة؟
لقد وقع اختياري على فئة “السنتي مليونير” في ظل هذه الظروف العالمية؛ لأن هذه التحولات الاقتصادية كانت هي السبب الأساسي في تضاعف ثرواتهم بشكل خرافي، في وقت يعاني فيه العالم من اختلال واضح في عدالة توزيع الثروات. وهذه الفئة لا تعكس تركيزاً للثروة فحسب، بل تعكس أيضاً كفاءة استثنائية في إدارة الأصول واقتناص الفرص وسط الأزمات؛ فضلاً عن كونها “رزقاً من الله”، وهو ما أشرتُ إليه تفصيلاً في كتابي.
هل اعتمدتِ على السرد القصصي أم على “صحافة البيانات”؟
اعتمدت السلسلة في جوهرها على السرد القصصي وتفنيد الحقائق؛ فقد حرصتُ على صياغتها بأسلوب ممتع وجذاب يبتعد عن الرتابة، لضمان استمتاع القارئ بالرحلة المعرفية دون تسرب الملل إليه. وبالطبع، تضمنت السلسلة أرقاماً غزيرة وخرائط توضيحية لكل فكرة مطروحة؛ فأنا أؤمن بأن طبيعة المادة الصحفية هي التي تفرض القالب الفني والأسلوب الأنسب لتقديمها.
يخشى الكثيرون “لغة الأرقام”؛ كيف استطعتِ تطويع البيانات الجافة لتصبح قصصاً جذابة؟
تطويع الأرقام كان التحدي الأكبر الذي واجهته منذ بدأت مسيرتي في الصحافة الاقتصادية؛ فهي صحافة تقوم في جوهرها على استنتاج القصص من الأرقام، ومن لا يمتلك هذه المهارة لن يحقق النجاح المنشود في هذا المجال. لقد نجحت في ذلك من خلال الانخراط في تدريبات متخصصة، والاعتماد على التعلم الذاتي، والممارسة الطويلة؛ فأنا أعمل في هذا التخصص منذ ما يقرب من 14 عاماً.
كيف ساهمت الأدوات التقنية الحديثة في 2025 في تطوير أدواتك الاستقصائية؟
أوظف الأدوات التقنية الحديثة بشكل فعال؛ فعلى سبيل المثال، أعتمد عليها في تسهيل عمليات الترجمة وتقليص الوقت المستغرق فيها، بالإضافة إلى استخدامها في البحث المتقدم عن البيانات وتحليلها بدقة وسرعة.
بعد هذا التكريم، ما هو الملف الاقتصادي الشائك القادم لميرفانا ماهر؟
في المرحلة المقبلة، لا أعتزم فتح ملفات اقتصادية شائكة بالمعنى التقليدي؛ إذ ينصبُّ تركيزي الحالي على دراسة تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الصناعات الإبداعية، وملف الاستثمار في الثقافة. هذا إلى جانب استمراري في مجالي المفضل وتخصصي الأساسي وهو علم الإدارة.
نصيحتك للزملاء الراغبين في التخصص والتميز في الصحافة الاقتصادية؟
نصيحتي للزملاء هي الالتزام بالتدريب المستمر والتعلم الذاتي المتواصل، مع ضرورة القراءة والاطلاع الدائم، سواء على الكتب المتخصصة أو الإصدارات الصحفية؛ فالمتابعة الدقيقة هي وقود التميز في مهنتنا.
لمن تهدين هذا التكريم، وماذا تقولين لنقابة الصحفيين في عهدها الجديد لعام 2025؟
أهدي هذا التكريم لأستاذي الدكتور محمد الباز، الذي احتضن هذه السلسلة من الحلقات على صفحات جريدة “الدستور”، تقديراً لدعمه المتواصل لي منذ أن كنت طالبة في كلية الإعلام قسم الصحافة وحتى الآن؛ فقد كان ولا يزال خير سندٍ وموجه في مسيرتي المهنية.
وأقول لنقابة الصحفيين: “نسأل الله أن يُثبّت أركان بيتنا الأول ويحفظ لكل صحفي كرامته وملاذه”؛ فمشاكل الصحفيين عديدة والملفات الموكلة للنقابة بالغة التعقيد، لكننا نأمل في غدٍ أفضل، وأتمنى لمجلس النقابة كل التوفيق في عبور هذه المرحلة الصعبة.
