
جاءت رحلة الإسراء والمعراج في وقت عصيب من حياة النبي ﷺ، بعد “عام الحزن” وفقدانه لعمه وأم المؤمنين خديجة، فكانت هذه الرحلة بمثابة مواساة ربانية لتؤكد أن ضيق الأرض يقابله اتساع السماء، وأن مع العسر يسراً. ففي تلك الليلة المباركة، انتقل النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهناك أمَّ الأنبياء جميعاً. هذا الحدث يبرز فضل هذه الليلة في التأكيد على وحدة الرسالة السماوية، وأن الإسلام هو حلقة الوصل المتممة لكل الشرائع السابقة، كما يرسخ مكانة القدس والمسجد الأقصى في قلب العقيدة الإسلامية.
فضل المعراج
في “المعراج”، صعد النبي ﷺ إلى السموات العلى حتى بلغ سدرة المنتهى، وهو مقام لم يبلغه بشر ولا ملك. وفي هذا فضل عظيم يظهر مكانة النبي ﷺ عند ربه، ويفتح للمؤمنين باب الأمل في أن القرب من الله هو غاية الأماني، وأن العبودية لله هي أعلى درجات الشرف الإنساني.
من أعظم فضائل هذه الرحلة أنها كانت مناسبة لفرض الصلاة؛ فالصلاة هي “معراج المؤمن” اليومي، وهي الركن الوحيد الذي فُرض في السماء مباشرة دون واسطة، مما يدل على أهميتها كصلة مباشرة بين العبد وخالقه، وكوسيلة للراحة النفسية والسكينة في مواجهة ضغوط الحياة الحديثة التي نعيشها في عام 2026.
تُعلمنا هذه الذكرى أن الله لا ينسى عباده الصابرين؛ فبعد التضييق في مكة، جاء الفرج من فوق سبع سموات، وهي دعوة لكل مسلم في عصرنا الحالي، وسط المتغيرات السريعة، أن يتمسك باليقين والثبات، مدركاً أن قدرة الله فوق كل الأسباب المادية.
إن فضل ليلة الإسراء والمعراج لا يقتصر على سرد القصص التاريخية، بل هو استمداد للقوة الروحية. ففي كل مرة تمر علينا هذه الذكرى، نتذكر أن الآفاق مفتوحة، وأن الإيمان هو المحرك الحقيقي لتجاوز المستحيل؛ لذا فلنجعل من ذكرى هذا العام محطة لتجديد الصلة بالله من خلال الصلاة.
سدرة المنتهى
تتجلى عظمة هذه الليلة في بلوغ النبي ﷺ “سدرة المنتهى”، وهو أقصى ما يمكن أن يصل إليه العلم والمكان. وفي هذا درسٌ لأجيالنا المعاصرة، حيث يتسابق العالم في استكشاف الفضاء وتوسيع آفاق المعرفة؛ فالمعراج يعلمنا أن التفوق العلمي والوصول إلى أبعد النقاط في الكون يجب أن يكون مقروناً بالتواضع لله والالتزام بالقيم الأخلاقية، ليكون العلم وسيلة للإعمار لا للسيطرة والدمار.
فرضية الصلاة
إن تكرار فرض الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، والذي تم في هذه الرحلة السماوية، يمثل “حبل إنقاذ” للإنسان المعاصر. ففي ظل صخب الحياة الرقمية المتسارعة التي نعيشها اليوم، تبرز الصلاة كحالة من “الانفصال عن الضجيج” و”الاتصال بالخالق”، مما يمنح النفس توازناً نفسياً وعقلياً لا توفره أرقى التقنيات، لتكون الصلاة معراجاً روحياً يومياً يجدد الطاقة والسكينة.
شمولية الرسالة
رؤية النبي ﷺ للأنبياء والرسل في السموات المختلفة خلال المعراج تؤكد على مفهوم “الشهود الحضاري”؛ فالمسلم اليوم، وهو يحيي هذه الذكرى؛ يستشعر مسؤوليته العالمية؛ فالإسلام ليس ديناً منزوياً، بل هو رسالة عالمية تدعو للسلام، والعدل، والتعايش، مستمدةً شرعيتها من ذلك الإرث النبوي الممتد الذي تجلى في صلاة النبي ﷺ إماماً بالأنبياء في بيت المقدس.
اليقين في عصر الماديات
كان اختبار “اليقين” هو التحدي الأكبر بعد وقوع المعجزة، حيث انقسم الناس بين مصدق ومكذب. وفي عصرنا الحالي الذي تطغى فيه الحسابات المادية والذكاء الاصطناعي، تأتي ذكرى الإسراء والمعراج لتعزز في قلب المؤمن قوة الإيمان بالغيب؛ فهي تذكير بأن تدبير الله يتجاوز قوانين الفيزياء ومنطق البشر، وأن المعجزات تبدأ حيث تنتهي الأسباب، مما يزرع الأمل في النفوس مهما بلغت التحديات العالمية تعقيداً.
الرباط المقدسي
تظل رحلة الإسراء من مكة إلى القدس وثيقة إلهية أزلية تربط بين المسجدين. وفي واقعنا؛ تبرز هذه الذكرى لتبقي قضية القدس حية في الوجدان، ليس فقط كقضية سياسية، بل كجزء لا يتجزأ من العقيدة والتاريخ. إنها دعوة لاستذكار فضل الرباط ونشر الوعي بمكانة هذه الأرض المقدسة التي كانت بوابة الأرض إلى السماء، مما يعزز الوحدة الروحية بين الشعوب الإسلامية حول العالم.
ذكرى الإسراء والمعراج ليست مجرد صفحة مطوية من سجلات التاريخ النبوي، بل هي “منهاج حياة” متجدد يمتد أثره ما دام الليل والنهار. ففي عالمنا اليوم، الذي يضج بالمتغيرات التقنية والمادية المتسارعة، تأتي هذه الذكرى لتعيد ضبط بوصلة الإنسان نحو السماء، مذكرّةً إيانا بأن الروح تحتاج إلى “معراج” يومي يحررها من قيود المادة وضغوط الحياة، ولا يكون ذلك إلا من خلال الصلاة والصلة الدائمة بالخالق.
إن الدرس الأسمى الذي نخرج به هو أن “المستحيل” كلمة لا وجود لها في قاموس القدرة الإلهية، وأن المحن التي مر بها النبي ﷺ كانت بوابة لأعظم المنح؛ وهذا يمنحنا يقيناً بأن أزمات عصرنا ومخاوفنا من المستقبل تجاوزها بالإيمان والعمل. فكما ربطت هذه الرحلة بين الأرض والسماء، وبين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فهي تربط بين قلوب المسلمين في شتى بقاع الأرض على وحدة الهدف والمصير؛ فلنجعل من هذه الذكرى نقطة انطلاق لترقية أخلاقنا، وتوسيع مداركنا، وتعزيز ثقتنا بوعد الله، مستلهمين من صاحب المعجزة ﷺ روح الإصرار والثبات؛ فالمؤمن الذي يعيش أنوار هذه الليلة، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً.
