
في هذا العصر الذي يهرول نحو “الرقمنة” الكاملة؛ حيث تكاد المشاعر الإنسانية تذوب في قوالب صلبة من الحسابات المادية والنتائج الفورية، يبرز السؤال عن “الرومانسية” ليس كترفٍ لغوي، بل كصرخة استغاثة تطلقها الروح البشرية التائقة إلى الدفء، فالرومانسية التي نعنيها هنا ليست تلك الصورة النمطية الساذجة التي حصرتها شاشات السينما في باقة ورد أو همسة عابرة، بل هي “فلسفة وجود” وانحياز كامل لكل ما هو أصيل وعميق في النفس البشرية؛ إذ إنها القدرة الفذة على استشعار الجمال في ثنايا العادي، واستيلاد الدهشة من رحم الرتابة، والإيمان اليقيني بأن وراء كل وجه حكاية، وخلف كل صمتٍ عالماً يضج بالتفاصيل.
أن نكون رومانسيين في هذا الزمن، يعني أن نمارس فعل “المقاومة السلمية” ضد جفاف المشاعر وتشييئ الإنسان؛ فالرومانسية هي تلك “الرئة” التي يتنفس من خلالها المجتمع هواء المودة الخالص، بعيداً عن ملوثات المصالح الضيقة؛ وهي أيضاً القوة التي تجعل من “اللقاء الإنساني” طقساً مقدساً، سواء كان بين حبيبين يخططان لمستقبل مجهول، أو زوجين يقتسمان رغيف الصبر والذكريات، أو حتى غريبين يتبادلان ابتسامة صادقة في زحام الطريق. إننا اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى العودة لرحاب “العاطفة”، لا لأننا ضعفاء، بل لأن العاطفة هي الحقيقة الوحيدة التي تمنحنا صك الانتماء لبني البشر، وهي الجسر الوحيد الذي يربط بين الأنا والآخر في عالمٍ يزداد عزلةً رغم ضجيج اتصالاته.
في هذه السطور، نبحر بعيداً عن شواطئ المنطق الجاف، لنغوص في أعماق النفس الإنسانية، باحثين عن تلك اللمعة في عيون المحبين، وذاك الصدق في وعود المخطوبين، وذلك النبل في وفاء المتزوجين، لنكتشف في النهاية أن الحب، بفيضه ورحمته، هو الذي يمسك بتلابيب هذا العالم الاجتماعي كي لا ينهار تحت وطأة البرود.
الرومانسية في ميزان الروح
الرومانسية ليست مجرد فصل في رواية قديمة، بل هي “حالة دهشة” دائمة. هي أن تملك القدرة على رؤية الجمال في الأشياء العادية؛ في فنجان قهوة يُشرب على مهل، في لمسة يدٍ دافئة تمحو تعب نهارٍ طويل، وفي نظرة عين تختصر آلاف المجلدات من الشرح. هي العاطفة التي تجعلنا نشعر بأننا “مرئيون” حقاً في عالم يزداد ازدحاماً وغربة.
في وسطنا الاجتماعي، أصبح الحب الحقيقي هو أسمى أشكال المقاومة. المقاومة ضد السرعة، وضد الاستهلاك، وضد العلاقات العابرة. الحب هو “الالتزام” بالبقاء حين يغادر الجميع، وهو القدرة على بناء “وطن صغير” داخل شخص آخر. الرومانسية اليوم تتجلى في “الإنصات” العميق؛ أن تعطي من تحب أثمن ما تملك: انتباهك الكامل، بعيداً عن تنبيهات الرسائل وإشعارات التطبيقات.
حين نتحلل من قياسات النجاح المادي، نكتشف أن “العالم الاجتماعي” المحيط بنا يرتوي بالعاطفة لا بالمعادلات. الجلسات العائلية التي يملؤها الضحك الصافي، مشاعر الجيرة التي تظهر في طبق يتبادله الجيران بمودة، والوفاء للأصدقاء القدامى الذين يعرفون تاريخنا دون حاجة لسرد؛ كل هذه هي تجليات للرومانسية بمعناها الإنساني الواسع.
أن تكون رومانسيًا في عام 2026 يعني أن تختار “العمق” في زمن السطحية. يعني أن تجرؤ على أن تكون “ضعيفاً” أمام من تحب، لأن في هذا الضعف تكمن قمة الشجاعة الإنسانية. هي أن تؤمن بأن قلباً واحداً يفهمك، يغني عن عالم كامل يصفق لك.
إن الرومانسية هي العطر الذي يمنع الحياة من أن تصبح مجرد “آلة” تعمل بانتظام. وهي تلك الرعشة التي تسري في الروح حين يلامسنا الجمال، وهي الدليل الأخير على أننا “أحياء” ولسنا مجرد أرقام تمر في قطار الزمن. فإذا كنت لا تزال تشعر بجمال الحزن الشفيف، وبحرارة الفرح البسيط، وبسحر الحضور الإنساني.. فأنت لا تزال بخير، ولا تزال نابضاً بالحب.
بعيداً عن جفاف المنطق وحسابات الربح والخسارة، تطل الرومانسية كحاجة إنسانية فطرية، لا كمجرد ترف عاطفي. إنها تلك القوة الخفية التي تمنح للأشياء العادية معناها، وللأيام الرتيبة لونها. أن تكون رومانسيًا يعني أن ترفض تحويل مشاعرك إلى مجرد ردود فعل آلية، وأن تصر على أن يكون “القلب” هو البوصلة والمنتهى.
وفي نسيجنا الاجتماعي، تتخذ هذه الرومانسية أشكالاً تختلف باختلاف المسافات بين القلوب، فبالنسبة لمن لم يطرق الحب بابهم بعد، الرومانسية ليست شعوراً بالفراغ، بل هي “استعداد نبيذ” لاستقبال الجمال. إنها تكمن في تلك التفاصيل الصغيرة التي يصنعها المرء لنفسه؛ في الاستمتاع بقراءة كتاب تحت ضوء خافت، أو في تخيل الشريك الذي سيشاركهم يوماً ما هذه السكينة. هي الإيمان بأن الحب ليس “صدفة” عابرة، بل هو مكافأة لمن حافظ على نقاء روحه ودهشته وسط عالم مادي لا يرحم.
وفي هذه المرحلة، تكون الرومانسية في أوج توهجها، حيث تتحول الكلمات إلى جسور، والوعود إلى قلاع في الهواء. هي تلك الرعشة التي تسبق سماع صوت الطرف الآخر، والجهد المبذول في اكتشاف التفاصيل الصغيرة؛ لون الزهور المفضل، الكلمة التي تثير الابتسامة، والخطط التي تُبنى بأحلامٍ وردية؛ فالرومانسية هنا هي “فن الاكتشاف” والشجاعة في كشف الروح أمام الآخر بصدقٍ كامل.
وبعد سنوات من العشرة، تخلع الرومانسية ثوبها الاستعراضي لترتدي ثوباً أكثر دفئاً وعمقاً. الرومانسية بين الزوجين في 2026 هي “القدرة على الاستمرار في الإعجاب” رغم ضغوط الحياة ومسؤولياتها. هي نظرة الامتنان في نهاية يوم شاق، هي إعداد كوب شاي دون طلب، وهي التجاوز عن الهفوات إجلالاً للمودة. هنا، تصبح الرومانسية هي “الأمان” الذي يجعل من البيت وطناً حقيقياً وسط عواصف العالم.
لا تقتصر الرومانسية على الحبيب فحسب، بل تمتد لتشمل الدائرة الاجتماعية المحيطة. هي ذلك الوفاء الذي يربط الأصدقاء القدامى، وتلك الحميمية في لقاءات العائلة التي تخلو من التكلف، حيث إن العاطفة التي تسود في “جمعاتنا” الاجتماعية هي التي تمنع المجتمع من التفكك؛ فالسؤال عن الغائب بلهفة، ومشاركة الجار في أفراحه وأتراحه، هي تجليات لرومانسية إنسانية عامة تُبقي نسيجنا الاجتماعي مترابطاً ونابضاً بالحياة.
الرومانسية في عصرنا الحالي هي “قرار” قبل أن تكون شعوراً. أن تختار أن تكون رقيقاً في عالم قسّته المادة، وأن تختار أن تكون مخلصاً في زمن العلاقات المؤقتة، وأن تختار أن تعبر عن حبك بكلمة أو لمسة أو فعل بسيط.. هو أرقى أنواع الرومانسية. إنها ليست ضعفاً، بل هي القوة الوحيدة القادرة على هزيمة البرود الذي يكتسح العالم، لتؤكد لنا في كل يوم: أننا بشر، وأننا نحب، إذاً نحن موجودون.
إن الرومانسية، في أسمى تجلياتها، ليست غياباً عن الواقع، بل هي إصرارٌ على تجميله؛ هي تلك المسافة المضيئة بين “البقاء” و”الحياة”؛ فالعالم الذي يخلو من نبض العاطفة ومن غواية الحلم، هو عالمٌ شاحب لا يسكنه إلا الأشباح. لذا، كن رومانسيًا لئلا تصدأ روحك، وكن محبًا لئلا تفقد إنسانيتك، واجعل من قلبك نافذةً يطل منها النور على كل مَن حولك، فما استبقى الإنسانُ من عُمره إلا تلك اللحظات التي ارتجف فيها وجدانه صدقاً وحباً؛ ليظل الحب هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل القسمة على اثنين، وهو اللغة التي تفهمها القلوب قبل أن تنطق بها الألسن. وسواء كنت تعيش لذة الانتظار، أو عهد الخطوبة، أو استقرار العشرة، تذكر دائماً أن “الإنسان” خُلِق ليُحِب ويُحَب.
