سليدرفنون

هل ينتصر «سفاح التجمع» على ضحكات الكوميديا؟

 

يطل قطار سينما عيد الفطر هذا العام حاملاً مفارقة درامية حادة؛ فبينما اعتادت دور العرض أن تكون “ساحات للبهجة”، فرضت “الدراما الواقعية” المستوحاة من قضايا الرأي العام سطوتها، لتعيد صياغة ذائقة جمهور العيد الذي يبدو أنه بات يبحث عن “صدمة الإثارة” بقدر شغفه بـ”نوبات الضحك”.

مغامرة “السبكي” 

يبرز فيلم “سفاح التجمع” للفنان أحمد الفيشاوي؛  كالحصان الرابح في سباق لفت الأنظار حتى قبل شارة العرض. ففي هذا العمل، يراهن المنتج أحمد السبكي على “الفضول الجماهيري” تجاه واحدة من أكثر القضايا جدلاً في السنوات الأخيرة. إلا أن الفيلم يواجه اختباراً فنياً عسيراً؛ وهو الفكاك من فخ “المط التوثيقي” أو الاكتفاء بسرد الوقائع التي استهلكتها المواقع الإخبارية، إذ يظل نجاح العمل رهناً بتقديم “تشريح نفسي” للجاني، لا مجرد استعراض سينمائي لجرائمه.

رغم التنوع الظاهري، يلحظ المتابع غياباً لافتاً للبطولات النسائية المطلقة في المنطقة الكوميدية، مع استمرار “الدكتاتورية الفنية” للنجم الشاب. ورغم محاولات أفلام مثل “إن غاب القط” و”طلقني” استعادة بريق “الكوميديا الاجتماعية” التي تداعب شجون الطبقة المتوسطة، إلا أنها لا تزال تدور في فلك الصيغ التقليدية للسينما التجارية دون تجديد حقيقي.

نكهة “السينما نوار”

جماليات الإخراج هذا الموسم سجلت حضوراً لافتاً تجاوز السرد التقليدي، حيث جنح “سفاح التجمع” نحو كادرات “السينما نوار” (Film Noir) لتعزيز أجواء الجريمة القاتمة. لكن “الإيقاع” ظل هو الثغرة؛ إذ سقطت بعض المشاهد في فخ الترهل الدرامي لإطالة زمن الشريط السينمائي، وهو ما قد يصيب “جمهور العيد” — المندفع بطبعه — بشيء من الرتابة.

مباراة التمثيل

على مستوى الأداء، نلمس “مباراة فنية” قوية تشوبها “النمطية” في الشق الكوميدي، حيث لا يزال بعض النجوم أسرى لـ”لازمات” حركية ولفظية مستهلكة. في المقابل، يبرز تحول جذري في أداء أبطال “أفلام الإثارة” الذين تمردوا على “الوسامة التقليدية” لصالح “الواقعية النفسية”؛ وهو مؤشر نضج يعكس قدرة الممثل المصري على خلع عباءة “النجم” لارتداء ثوب “الشخصية”.

رغم ضخامة الأسماء، لا تزال هناك فجوة بين “طموح النص” و”قدرات التنفيذ” (الخدع البصرية وCGI). فبعض أفلام “الأكشن” بدت وكأنها سُلقت في غرف “المونتاج” لتلحق بقطار الموسم، مما كشف عيوباً تقنية في مشاهد المطاردات. وهنا يجب الحذر؛ فالمراهنة على “اسم النجم” وحده لم تعد تكفي في عصر المنصات، والجمهور الذي يدفع تذكرة “مرتفعة السعر” بات يملك عيناً ناقدة لا تغفر الهفوات.

السينما ورهان الموسم

السينما المصرية في العيد تحاول الخروج من شرنقة “أفلام المقاولات” عبر طرق أبواب “الجريمة والواقعية”، لكن يبقى السؤال المعلق فوق شباك التذاكر: هل سيهضم جمهور العيد هذه الوجبة الدسمة، أم يظل “الوفاء للكوميديا” هو الموقف الثابت؟

الناقد الفني محمد شوقي

وللإجابة عن هذا التساؤل؛ يقول الناقد والمؤرخ الفني محمد شوقي، تظل أفلام العيد طقساً سينمائياً أصيلاً ومتعة لا تنقطع، رغم المتغيرات التي تحيط بالصناعة وتذبذب أحوالها بين صعود وهبوط، متأثرةً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن زحف الدراما التليفزيونية التي سحبت البساط — إلى حد كبير — من تحت أقدام الفن السابع. ومع ذلك، يبقى لسينما العيد سحرها الخاص الذي لا ينطفئ. وبالقراءة في خارطة أفلام الموسم الحالي، نجد أن استلهام قضية “سفاح التجمع” ليس بدعاً من الأمر؛ فالسينما المصرية لطالما استمدت إثارتها من قضايا الرأي العام الهامة. فتاريخنا الفني حافل بنماذج مشابهة، بدءاً من “احترس من الخط” للزعيم عادل إمام، وصولاً إلى “سفاح كرموز” ليونس شلبي، وحتى رائعة الأديب العالمي نجيب محفوظ “اللص والكلاب” التي استندت في جوهرها إلى قصة واقعية.

وأضاف “شوقي”: قضايا “السفاحين” والجرائم التي تهز المجتمع تمثل دوماً مادة خصبة للتشويق السينمائي، لكن الرهان الحقيقي في “سفاح التجمع” يكمن في “زاوية التناول”؛ فتقديم التحليل النفسي للجاني يُعد توجهاً جديداً وتيمة فنية جاذبة للجمهور، شريطة أن تبتعد عن السرد التقليدي. كما تبرز ظاهرة “هيمنة النجم الأوحد” كسمة طاغية على الموسم، وهي ظاهرة قديمة تتفاوت حدتها من وقت لآخر، لكنها باتت الآن المحرك الأساسي لشباك التذاكر؛ فالجمهور يذهب للسينما مدفوعاً باسم البطل لا بالعمل ككل. وفي خضم هذه الهيمنة، نلحظ تراجعاً حاداً في “البطولة النسائية المطلقة”؛ حيث ندرت المغامرة الإنتاجية بنجمة تتصدر الأفيش بمفردها. فبعد تجارب ناجحة للنجمتين ياسمين عبد العزيز ودنيا سمير غانم، نجد أن نجمات من العيار الثقيل مثل منى زكي، منة شلبي، هند صبري، ونيللي كريم، لا يزلن في حاجة إلى “بطل رجل” يشاركهن عبء الفيلم تسويقياً، وهو ملف يطول شرحه وتتعدد أسبابه.

أفلام العيد

وتابع الناقد الفني محمد شوقي: أرى أن تيمة “أفلام العيد” أصبحت مرادفاً لـ”دراما رمضان”؛ ضرورة موسمية لا يكتمل العيد بدونها، ورغم تقلص عدد الأفلام وتغير جلدها، تظل السينما هي المقصد الأول للبحث عن المتعة في أيام العيد.

وأكمل “شوقي”: ستظل أفلام العيد هي الملمح الأبرز والأكثر تميزاً لطقوس الاحتفال؛ ورغم أن المشهد السينمائي قد تغير جذرياً عما مضى — حين كانت المنافسة تشتعل بين أكثر من عشرين فيلماً يهرع الجمهور لاقتناص تذاكرها — إلا أن سحر الشاشة الكبيرة لا يزال يقاوم. وعلى الرغم من أن السينما لا تزال تمر بمرحلة “نقاهة” إثر اجتياح الدراما التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي لكل بيت مصري، وهو ما تسبب في تراجع نسبي للدور التقليدي لدور العرض، إلا أنني أؤمن بأن السينما ستظل صامدة ومؤثرة مهما بلغت قوة الدراما المنافسة.

إننا نترقب بشغف عرض فيلم “سفاح التجمع”، الذي يحدوني تفاؤل كبير بأنه سيكون أحد العلامات الفارقة في هذا الموسم؛ إذ إن هذه النوعية من الأعمال التي تغوص في أعماق “السيكودراما” دائماً ما تلقى قبولاً واسعاً وتحقق صدىً قوياً لدى الجمهور.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15540

موضوعات ذات صلة

العصر الرقمي ..ضرورة لا رفاهية

أيمن مصطفى

اقتراع في 30 دائرة بالمرحلة الأولى لانتخابات النواب

أيمن مصطفى

بطل العالم…رحلة سقوط وخلاص

حسن عبدالعال

نصائح عاجلة من “الأرصاد” لمواجهة الرمال المثارة

أيمن مصطفى

٢قهوة.. رومانسية الاختلاف وتقبل الآخر

حسن عبدالعال

كريم عبد العزيز ينافس أنديانا جونز ويحقق الملايين كعادته

أحمد عاشور