سليدرفنون

وداعاً داوود عبد السيد

 

ترحل الأجساد، وتبقى الرؤى شاهدةً على عبورٍ استثنائي؛ هكذا يودع عالمنا اليوم داوود عبد السيد، ليس بوصفه مخرجاً سينمائياً فحسب، بل باعتباره “مهندس الأرواح” وفيلسوف الكاميرا الذي لم يرضَ يوماً بظاهر الأشياء، حيث رحل الرجل الذي لم تكن أفلامه مجرد حكايات تُروى، بل كانت “صكوك غفران” فنية تمنح المهمشين صوتاً، وتفتح للمكفوفين بصيرةً، وتجعل من ضجيج الحارة المصرية ترنيمة وجودية خالدة.

بفقد المخرج الكبير داوود عبد السيد، تنطفئ شاشة من أصفى شاشات السينما العربية، ويُسدل الستار على مدرسة “الواقعية الحالمة” التي علمتنا أن الحقائق الكبرى لا توجد في نشرات الأخبار، بل تسكن في صمت البحر، وفي ضحكات الشيخ حسني، وفي تيه يحيى وسط رسائل البحر. وداعاً لآخر الأنبياء الصادقين في محراب الصورة، ومن علمنا أن الفن موقف، وأن السينما، حين تخلص لذاتها، تصبح هي الحقيقة الوحيدة في عالم من الزيف.

برحيل داوود عبد السيد، تطوي السينما العربية والمصرية واحدة من أنصع صفحاتها، برحيل مبدع لم يكن مجرد مخرج يمرر لقطات عبر الكاميرا، بل كان مفكراً وفيلسوفاً اتخذ من الفن السابع وسيلة لإعادة قراءة النفس البشرية وفهم تعقيدات الروح والمجتمع.

سينما البحث عن الذات

لم يكن داوود عبد السيد مخرجاً غزيراً في إنتاجه، لكنه كان “دقيقاً” في كل كادر يقدمه. من “الكيت كات” إلى “أرض الخوف”، ومن “رسائل البحر” إلى “البحث عن سيد مرزوق”، كانت أفلامه رحلات استكشافية داخل أعماق الإنسان المصري؛ فلم يكتفِ برصد الواقع كما هو، بل كان يمزجه بالخيال، ليخلق “واقعية سحرية” خاصة به، تجعل من الهامش متناً، ومن الشخصيات البسيطة أبطالاً وجوديين.

الكيت كات: حين يرى الكفيف ما لا يراه المبصرون

ستظل شخصية “الشيخ حسني” في فيلمه الأيقوني “الكيت كات” علامة فارقة في تاريخ السينما؛ فمن خلال تلك الشخصية، قدم عبد السيد درساً في التفاؤل والتمرد على العجز، محولاً حارة شعبية بسيطة إلى مسرح كوني للأسئلة الكبرى حول الحرية، والانطلاق، والقدرة على الحلم رغم الظلام.

فلسفة الصمت والتأمل

تميز أسلوب داوود عبد السيد بالهدوء والعمق؛ فكان يمنح الصورة حقها في الكلام، ويترك للصمت مساحة للتعبير؛ حيث كان يؤمن بأن السينما هي “فن المشاهدة”، لذا كانت أفلامه تتطلب مشاهداً متأملاً، لا يبحث فقط عن التسلية، بل يبحث عن إجابات لأسئلة لم يجرؤ على طرحها من قبل.

الاعتزال والارتقاء

في سنواته الأخيرة، اختار  عبد السيد الابتعاد عن الساحة السينمائية، ليس عجزاً، بل ترفعاً عن سينما استهلاكية لم تعد تشبه أحلامه؛ إذ كان صمته في حد ذاته موقفاً فنياً، يعبر عن تمسكه بقيمه الإبداعية التي لا تقبل المساومة.

رحل داوود عبد السيد جسداً، لكنه ترك خلفه “إرثاً بصرياً” سيبقى مرجعاً للأجيال القادمة من السينمائيين. رحل الرجل الذي علّمنا أن “البحر” يمكن أن يرسل رسائل، وأن “أرض الخوف” يمكن مواجهتها بالشجاعة، وأن الفن الحقيقي هو ما يبقى عندما يرحل الجميع.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10031

موضوعات ذات صلة

حين يتشابه الخوف: السحر بين سكان الحارات وقاطني الكومباوندا

أيمن مصطفى

محمد الشافعي: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في أدب المقاومة

المحرر

اقتراع في 30 دائرة بالمرحلة الأولى لانتخابات النواب

أيمن مصطفى

غادة عبدالرازق تلاحق الشركة المنتجة قانونياً

حسن عبدالعال

مشروبات تُضعف جهاز المناعة.. ابتعد عنها

المحرر

نافذة على مخاطر استهلاك اللحوم المصنعة

المحرر