البلد خانةسليدر

وداعًا سوق زعربانة

 

بعد عقودٍ طوال من الاختناق المروري والفوضى العارمة التي جثمت على أنفاس منطقة حي شرق بالإسكندرية، أسدلت الأجهزة التنفيذية الستار نهائياً على أزمة “سوق زعربانة” العشوائي، الذي طالما مثّل تحدياً صارخاً لهيبة القانون. وفي حملة مكبرة وصفت بأنها “الأعنف والأكثر تنظيماً”، امتدت لعدة أيام، نجحت المحافظة في تفكيك قلاع العشوائية بأقدم أسواق المدينة، مقتطعةً ورماً مزمناً من جسد الشارع السكندري. ومع تصاعد غبار الإزالات، انقشع معه كابوس الزحام الذي طارد السكان لسنوات، لتفتح هذه الخطوة الجريئة الباب على مصراعيه أمام تساؤلات ملحة حول المصير المعيشي لمئات الباعة، والملامح المرورية الجديدة لمنطقة باتت اليوم على أعتاب تحول تاريخي.

قرار حاسم

بتوجيهات مباشرة من الفريق أحمد خالد حسن سعيد، محافظ الإسكندرية، شنت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع حي شرق حملة لإزالة الإشغالات والتعديات بسوق زعربانة، حيث لم تكن العملية مجرد إزالة لفرش الباعة، بل كانت جزءاً من مخطط أوسع لرفع كفاءة البنية التحتية واسترداد حق الشارع في حركة مرورية انسيابية.

تأتي إزالة سوق زعربانة كخطوة تمهيدية لمشروع أضخم يتمثل في ربط محاور شرق الإسكندرية بالطريق الدائري ومحور المحمودية الجديد، حيث كشفت مديرية الطرق والنقل عن خطة لإعادة رصف الشوارع المحيطة بالسوق وتطوير شبكات الصرف الصحي التي تضررت لسنوات بفعل الاستخدام غير القانوني من قبل شاغلي السوق، إذ إن هذا التطوير سيسهم في رفع القيمة العقارية للمنطقة وتحويلها من منطقة طاردة بسبب الزحام إلى منطقة جذب سكني وتجاري منظم.

محافظ الإسكندرية خلال جولة تفقدية لموقع السوق بعد الإزالة

 

وخلال جولة تفقدية لموقع السوق بعد الإزالة، أكد المحافظ أن الهدف الأساسي هو “إعادة الانضباط للشارع السكندري”، مشيراً إلى أن المنطقة ستشهد تحولاً جذرياً عبر فتح محاور مرورية جديدة تربط حي شرق بمناطق حيوية أخرى، مما ينهي معاناة آلاف المواطنين يومياً.

كشفت غرفة عمليات المحافظة عن تفعيل دور كاميرات المراقبة الذكية المرتبطة بمركز السيطرة الموحد لرصد أي محاولات جديدة لإقامة تجمعات عشوائية في منطقة زعربانة، حيث إن هذا النظام التقني يتيح للمسؤولين التدخل الفوري قبل تفاقم الإشغالات، مما يجعل من عملية الإزالة هذه المرة “نهائية ومدعومة تكنولوجياً” وليس مجرد إجراء مؤقت.

استطلعت “صوت البلد” آراء المواطنين؛ حيث عبر سكان المنطقة عن ارتياحهم الشديد، واصفين الإزالة بأنها “قبلة حياة” للمنطقة التي كانت تعاني من ضوضاء وتراكم للمخلفات تعيق حركة الطوارئ وسيارات الإسعاف.

في المقابل، سادت حالة من القلق بين الباعة الجائلين الذين اعتمدوا على هذا السوق كمصدر رزق وحيد لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، تسعى المحافظة لتوفير بدائل حضارية من خلال التوسع في “أسواق اليوم الواحد” التي توفر أماكن منظمة للباعة بأسعار مخفضة وبإشراف رقابي، لضمان عدم عودة العشوائيات مرة أخرى.

لم تكتفِ المحافظة بالإزالة المادية فحسب، بل تم تفعيل نظام “المرابطة الدائمة” من خلال نقاط أمنية ثابتة ووحدات تدخل سريع تابعة لحي شرق. ووفقاً لمصادر مسؤولة، فإن التعليمات الصادرة تقضي بمصادرة فورية لأي معدات أو بضائع تحاول العودة إلى حرم الطريق، مع توقيع غرامات رادعة على المخالفين. الهدف هو كسر الدائرة المفرغة التي كانت تشهد عودة الباعة بمجرد انسحاب حملات الإزالة في السنوات الماضية، وضمان استدامة المظهر الحضاري للمنطقة.

حلول بديلة ومستدامة

وعلى الجانب الإنساني، أطلقت محافظة الإسكندرية بالتوازي مع حملة الإزالة مبادرة لحصر الباعة الجائلين “المستحقين” ممن لديهم سجلات سابقة، وذلك لنقلهم إلى أسواق حضارية بديلة مجهزة بالخدمات الأساسية. وصرح مسؤول بملف العشوائيات أنه يشهد طفرة في إنشاء “المراكز التجارية المفتوحة” التي تدمج الباعة الجائلين في الاقتصاد الرسمي تحت رقابة صحية وتموينية، مما يضمن لهم دخلاً مستقراً وللمواطن منتجاً آمناً وبيئة نظيفة.

مستقبل المنطقة

لا تنتهي القصة عند الإزالة؛ فوفقاً للمخطط العمراني الجديد لعام 2025، تم إدراج منطقة زعربانة ضمن خطة “إعادة التخطيط” التي تهدف لزيادة الحيز العمراني وتطوير المناطق غير المخططة. ومن المنتظر أن تبدأ أعمال رصف وتجميل المحاور الجديدة فور الانتهاء من رفع كافة المخلفات الناتجة عن الإزالة.

يبقى السؤال المطروح في أذهان السكندريين: هل ستنجح المحافظة في الحفاظ على هذا الانضباط ومنع عودة “الفرش” العشوائي مجدداً؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المشهد الحالي يشير إلى إرادة قوية لتغيير وجه الإسكندرية نحو الأفضل.

تنفس جديد لحي شرق

بعيداً عن السياسة والمرور، أحدثت إزالة السوق طفرة بيئية ملموسة؛ فقد كانت المنطقة بؤرة لتراكم الأطنان من المخلفات العضوية والبلاستيكية التي تسببت لسنوات في انسداد شبكات تصريف الأمطار وانتشار الروائح الكريهة. ومع مطلع العام الجديد ستبدأ شركات النظافة الجديدة في تنفيذ خطة “التعقيم الشامل” للموقع، مع مقترح لإنشاء مساحات خضراء صغيرة (لاند سكيب) في المساحات المستردة، مما يسهم في تحسين جودة الهواء وخفض التلوث البصري الذي عانى منه السكان طويلاً.

صوت الشارع

شهدت منصات التواصل الاجتماعي بالإسكندرية تفاعلاً غير مسبوق مع صور “الشارع الخالي” بعد الإزالة، حيث أطلق شباب المنطقة مبادرات تطوعية تحت شعار “حافظ على نظافة زعربانة”. هذا الوعي المجتمعي يمثل حائط الصد الحقيقي ضد عودة العشوائية؛ إذ تعهد الأهالي بالإبلاغ الفوري عبر الخطوط الساخنة وتطبيق “صوتك مسموع” عن أي تعديات جديدة، مؤكدين أن المشاركة الشعبية هي الضمانة الوحيدة لإنجاح جهود الدولة في استعادة هيبة القانون وجمال المدينة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=9842

موضوعات ذات صلة

الاتحاد الشبابي يضع الشباب على خريطة التمكين

المحرر

مدير معهد القطن: مصر تحتفظ بصدارة جودة القطن عالميا

عمر عزوز

أنت تسأل والطبيب يُجيب.. ما هي أعراض مرض الفصام؟

المحرر

اليونسكو تُحيي ذاكرة الإسكندرية التراثية

أيمن مصطفى

شعبة الخضروات توضح أسعار المحاصيل خلال رمضان

المحرر

كشف سر نجاح بيراميدز في ٢٠٢٥

محمد عطا