ثقافة وأدب

أسرار 100عازف في محراب «ثومة»

خلف الستار المخملي لـ«كوكب الشرق»، وفي المسافة الفاصلة بين صمت الجمهور وهيبة المسرح، لم يكن العزف مجرد نغمات عابرة، بل كان طقساً مقدساً وصناعةً لأسطورة لم تكتمل فصولها بالحنجرة وحدها؛ حيث إن الحديث عن أم كلثوم دون الالتفات إلى «تختها الموسيقي» هو قراءة مبتورة للتاريخ؛ فهؤلاء المبدعون لم يكونوا مجرد صدى لصوتها، بل كانوا الكتيبة الموسيقية التي خاضت معها معارك التجديد، والأكاديمية التي أرست قواعد الانضباط والرقي الفني. واليوم، وفي محاولة لرد الجميل لصناع النغم، يأتي كتاب “فرقة الست” ليفتح «صندوق الأسرار» ويخرج أسماء مئة عازف من ظلال التاريخ إلى أضواء الذاكرة، ليروي حكاياتهم الإنسانية، كواليسهم الصعبة، ورحلتهم الطويلة التي بدأت بنبض الوتر الأول وانتهت بدموع الحفل الأخير.

ينطلق الكتاب في رحلته من فرضية أن “فرقة الست” لم تكن مجرد تجمع لعازفين محترفين، بل كانت بمثابة “أكاديمية للفنون والأخلاق”، حيث جسدت في انضباطها ورقيها أسمى قيم الجمال الإنساني. هذا الرقي لم يظهر فقط في التناغم الموسيقي على المسرح، بل تجلى في المواقف الإنسانية النبيلة والكواليس التي جمعت بين “ثومة” وأعضاء فرقتها، وهو ما يسلط الكتاب عليه الضوء بشكل تفصيلي غير مسبوق.

وفي فقرة لافتة، يحلل الكتاب طبيعة العلاقة الفريدة بين أم كلثوم وعازفيها، والتي وصفت بأنها “ديكتاتورية مغلفة بالحب”؛ حيث لم يكن يُسمح بأي تهاون في البروفات التي كانت تستمر لساعات طوال. ويوضح الكتاب كيف نجحت “الست” في صياغة شخصية بصرية موحدة للفرقة، جعلت من مجرد ظهورهم على المسرح قبل صعودها حالة من الهيبة والوقار التي مهدت الطريق لعبقرية الأداء الموسيقي.

كواليس وأسرار

وبالانتقال من الجانب التنظيمي إلى الجانب التوثيقي، يغوص الكتاب في “صندوق أسرار” الفرقة؛ فيستعرض كواليس التسجيلات الإذاعية الأولى، وتفاصيل البروفات الشاقة، وصولاً إلى أدق التفاصيل مثل “ملابس الفرقة” التي كانت تعكس هيبة الوقوف أمام كوكب الشرق. وما يعزز من قيمة هذا العمل، هو احتواؤه على حوارات نادرة مع العازفين الذين ما زالوا على قيد الحياة، ليكونوا شهود عيان على عصر الموسيقى الذهبي.

الناقد الفني محمد شوقي

“صوت البلد” التقت مؤلف الكتاب، الناقد الفني محمد شوقي، والذي أوضح أن العمل يفرد مساحة خاصة لتطور “الآلات الموسيقية” داخل الفرقة، وكيف استوعبت أم كلثوم دخول آلات غربية مثل “الجيتار” و”الأورج” و”الساكسفون” دون أن تخدش شرقية التخت القديم. مشيراً إلى أن الإصدار يشرح  كيف طوع هؤلاء العازفون آلاتهم لتنطق بالعامية المصرية الرصينة، محققين معادلة صعبة بين التجديد والحفاظ على الهوية الأصيلة.

رحلة البداية والنهاية

وأضاف “شوقي”: لا يكتفي الكتاب برصد السير الذاتية، بل يؤرخ للمسرح الكلثومي تاريخياً؛ حيث يبدأ من الحفلة الأولى لأم كلثوم على تخت موسيقي مع أول أغنية أطلقتها، ويتتبع التطور الموسيقي للفرقة عبر العقود، وصولاً إلى الستار الذي أُسدل في حفلها الأخير.

وتابع  شوقي: يأتي هذا الإصدار بمثابة “رد اعتبار” معنوي لهؤلاء المبدعين الذين ذابت أسماؤهم في لمعان اسم “أم كلثوم”، لافتاً إلى أن هذا العمل ليس مجرد سرد لسير ذاتية، بل هو محاولة لاستعادة زمن الفن الجميل من زاوية مغايرة، وهي زاوية المبدعين الذين رسموا بأوتارهم ملامح أسطورة لن تتكرر في تاريخ الغناء العربي، مؤكداً أن العظمة لم تكن في الحنجرة وحدها، بل في تلك الروح الجماعية التي لم تعرف المستحيل.

وأشار المؤلف إلى أن كتاب «فرقة الست» يظل أكثر من مجرد سرد تاريخي؛ مشيراً إلى إنه وثيقة إدانة لنسياننا الطويل لهؤلاء المبدعين، واحتفاءٌ متأخر بجيش من العباقرة الذين آثروا الوقوف في الظل لتستطع «شمس الأصيل» وحدها في كبد السماء، لافتاً إلى أن استعادة سيرة هؤلاء العازفين ومواقفهم الإنسانية هي استعادة لروح مصر المبدعة، وتذكيرٌ للأجيال الجديدة بأن الفن العظيم لا يُصنع بالصدفة، بل بالانضباط، والحب، والولاء للمهنة.

واختتم “شوقي” حديثه قائلاً: لقد رحلت أم كلثوم، ورحل أغلب عازفيها، لكن هذا الكتاب يمنحهم «حياة ثانية» بين سطوره، مشيراً إلى أن النغم الأصيل لا يموت، وأن العازف الذي لمس قلب الملايين بوتره، يستحق اليوم أن يُخلد اسمه بمداد من نور في سجل الخالدين.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13039

موضوعات ذات صلة

علماء الأزهر: نشر الفكر الوسطي لحماية الشباب والمجتمع

المحرر

روايات هان كانغ تستكشف العلاقة المعقدة بين الإنسان والوجود

المحرر

الشاعرة عزة رياض: الشاعر يبحث دائمًا عن نسخته الأفضل

أيمن مصطفى

من يملك الحقيقة ؟ أسرار صناعة الكذب في الإعلام الجديد

المحرر

سامح فوزي يقرأ تحديات الوعي في زمن الرقمنة

أيمن مصطفى

إسحاق بندري يُحاور “هشاشة الجسد”

أيمن مصطفى