مقال رئيس التحرير

إيران وما بعد الحرب : حدود القوة وحدود السياسة

 

د. خالد محمد غازي

بين اتساع الطموح الإسرائيلي، وتحفظ المؤسسة الأمريكية، وتماسك البنية الإيرانية، تبدو الحرب أقل قدرة على صناعة “اليوم التالي” مما توحي به لغة التصعيد.

(1)

لا يبدو ما يجري بين واشنطن وطهران وتل أبيب مجرد مواجهة عسكرية عابرة في منطقة اعتادت التوتر، بل مشهد أشد تعقيدًا في واحدة من أكثر بقاع العالم حساسية. فالحرب الدائرة حول إيران لا تكشف فقط مقدار ما تستطيع القوة أن تفعله، بل تكشف، على نحو أدق، مقدار ما تعجز عن بلوغه حين تُكلَّف بأهداف تتجاوز طبيعتها. فالقوة العسكرية قد تبدّل مسار الأحداث، وقد تفرض معادلات شديدة القسوة على الأرض، لكنها لا تكفي وحدها لصنع نظام سياسي جديد، ولا تضمن أن تتجه نتائج الضربة إلى الوجهة التي يرسمها صانعو القرار.

من هذه الزاوية، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا مما يوحي به الخطاب الإعلامي المعلن. فهناك، من جهة، خطاب إسرائيلي يرى في اللحظة الراهنة فرصة نادرة لتقليص الدور الإيراني في الإقليم إلى الحد الأقصى، وربما لدفعه إلى تراجع تاريخي طويل. وهناك، على الضفة الأخرى، في الجانب الأمريكي، مؤسسات أكثر التصاقًا بحسابات الدولة، تبدو أقل اندفاعًا في تقدير ما يمكن أن تحققه الحرب، لا لأنها تعارض منطق الضغط، بل لأنها أشد انتباهًا إلى ما قد تفتحه المواجهة من فراغ سياسي وأمني لا تبدو ملامح احتوائه واضحة بعد. ولا يبدو التباين بين اتساع الطموح السياسي وتحفظ المؤسسة مجرد اختلاف في التقدير، بل واحدًا من أهم المفاتيح لفهم طبيعة اللحظة الراهنة.

وقد كشف تقرير سري صادر عن مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي (NIC) عن اتساع المسافة بين الرغبة السياسية في واشنطن وتعقيدات الواقع على الأرض، واضعًا صانع القرار أمام تقدير يحدّ، بوضوح لافت، من التصورات المبالغ فيها حول قدرة القوة العسكرية على تشكيل ما بعد الحرب. فالتقرير، الذي سُرّبت ملامحه إلى صحيفة “واشنطن بوست”، لا يقرأ إيران بوصفها بنية قابلة للانكسار السريع، بل يقدّمها باعتبارها دولة تملك من عناصر التماسك ما يجعل الضربة الواسعة، مهما اشتدت، غير كافية وحدها لإسقاط المؤسسة الحاكمة أو إنهاء قدرتها على الاستمرار.

وأهمية هذا التقدير لا تقف عند حد الوصف الأمني، بل تتجاوزه إلى تصحيح وهم راج في بعض الدوائر، مؤداه أن التفوق العسكري قادر بذاته على صناعة اليوم التالي. غير أن ما يلي الحروب من هذا النوع لا يتقرر بالغلبة الميدانية وحدها، بل يرتبط أيضًا بوجود بديل سياسي منظم، قابل للحياة، يتمتع بحد أدنى من القبول الداخلي، ويجد مناخًا إقليميًا يسمح له بالتشكل. وفي غياب هذه الشروط، قد تفتح القوة ثغرة واسعة، لكنها لا تملك أن تتحكم وحدها في المسار الذي ينشأ بعدها.

(2)

ويزداد المشهد التباسًا حين يُنظر إلى النقاش الأمريكي نفسه، إذ لا توحي مداولاته بوجود تصور مستقر لمعنى النصر أو لحدوده. فالمبررات تبدلت، والأهداف المعلنة اتسعت ثم انكمشت، قبل أن تستقر عند عناوين أكثر تواضعًا تتصل بإضعاف القدرات العسكرية أو احتواء المخاطر المباشرة. وحين تتغير الغاية بهذه السرعة، تصبح الحرب موضع سؤال سياسي قبل أن تكون موضع تقدير عسكري: هل نحن أمام مشروع واضح المعالم، أم أمام قرارات متلاحقة تتقدم فيها ضرورات اللحظة على الرؤية البعيدة؟ وفي هذه المسافة تحديدًا، بين الفعل العسكري والتصور السياسي، تكمن صعوبة هذه الحروب: يسهل إطلاقها نسبيًا، لكن يصعب ضبط نهاياتها.

وفي هذا السياق، لا تبدو الفجوة بين واشنطن وتل أبيب تفصيلًا عابرًا في إدارة المواجهة، بل واحدة من أكثر نقاطها حساسية. فبينما تميل القراءة الإسرائيلية، وخصوصًا في خطاب بنيامين نتنياهو، إلى النظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإضعاف النموذج الإيراني أو دفعه إلى تراجع عميق، توحي التقديرات الأمريكية بأن أقصى ما يمكن الركون إليه بثقة أكبر هو تقليص قدرة هذا النموذج، لا الاجتثاث الكامل له. ومن هنا، فإن اختلاف الطرفين لا يتعلق فقط بسقف التوقعات، بل أيضًا بتعريف ما يمكن أن يعد نجاحًا في حرب من هذا النوع.

ولذلك تكتسب القراءة التي كان محمد حسنين هيكل قد طرحها قبل سنوات قيمة تفسيرية متجددة. فالفكرة التي تقوم على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تحطيم إيران كدولة بقدر ما تسعى إلى تعديل موقع النظام أو طبيعته، تبدو أقرب إلى منطق الدولة الأمريكية العميق من اللغة السياسية المرتفعة في لحظات التصعيد. فالحرب الواسعة، في هذه الرؤية، قد تنتج نتيجة معاكسة تمامًا، إذ تدفع المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول السلطة، وتحوّل ما يُراد له أن يكون عقابًا سريعًا إلى صراع طويل المدى تتعذر السيطرة على مفاعيله.

وفي المقابل، لا توجد مؤشرات قوية على أن الضغط العسكري وحده قادر على إنتاج بديل سياسي جاهز داخل إيران. فالمعطيات التي تناولها التقرير المسرّب ترجح أن المعارضة المشتتة ليست في موقع يسمح لها بملء الفراغ، كما أن التعويل على جماعات مسلحة طرفية أو أقليات إقليمية لا يفتح بالضرورة باب الانتقال المنظم، بل قد يقود إلى وضع أكثر هشاشة، تتداخل فيه الفوضى الأمنية مع التدخلات الإقليمية ومخاوف الدول المجاورة. وهنا تبرز المعضلة الحقيقية: ما يُعرض أحيانًا بوصفه طريقًا إلى إعادة تشكيل إيران، قد لا يفضي في الواقع إلا إلى إضعاف المركز من دون إنتاج بديل مستقر.

(3)

إن ما يلوح في الأفق ليس مشهدًا لحرب تتجه بثبات إلى غاية واضحة، بل اختبارًا متدرجًا لحدود الاحتمال السياسي والعسكري معًا. فواشنطن، بحسب ما تكشفه المناقشات الداخلية والتقديرات الاستخبارية، لا تبدو واثقة من أن التصعيد الواسع يستطيع أن ينتج ترتيبًا جديدًا يمكن ضبطه، كما لا تبدو مهيأة لتحمل تبعات فراغ إيراني مفتوح. وفي المقابل، تميل إسرائيل إلى قراءة اللحظة بوصفها فرصة تتجاوز الردع إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها، وهو طموح يظل أوسع من أن يترجم إلى نتيجة مستقرة لمجرد التفوق الناري.

وفي هذا التباعد بين الحسابين الأمريكي والإسرائيلي ما يكفي لتفسير كثير من غموض المشهد. فحين ترى المؤسسة الأمريكية أن الضربة الواسعة لا تكفي وحدها لإسقاط البنية الحاكمة، وأن غياب البديل السياسي المنظم يجعل أي حديث عن اليوم التالي أقرب إلى الرغبة منه إلى الخطة، يصبح التحفظ المؤسسي مفهومًا. أما حين يُنظر إلى الحرب من زاوية الرهان على إنهاك إيران إلى الحد الذي يفقدها قدرتها على إدارة نفوذها الإقليمي، فإن سقف التوقعات يرتفع إلى مستوى لا تسنده الشروط السياسية المتاحة بالقدر نفسه.

ولعل المفارقة الأشد دلالة أن الحرب، كلما اتسعت أهدافها، ازدادت حاجتها إلى ما هو خارج الحرب نفسها. فالقوة تستطيع إضعاف الخصم، وقد تدفعه إلى الانكفاء أو إعادة الحساب، لكنها لا تنتج وحدها معارضة موحدة، ولا تصوغ شرعية بديلة. ولهذه الأسباب تبدو الأسئلة المؤجلة أخطر من الضربات الجارية: من يملأ الفراغ إن اتسع؟ ومن يضمن ألا تتحول محاولة إضعاف المركز إلى إطلاق فوضى لا يملك أحد مفاتيحها؟ ومن أين تأتي التسوية إذا كانت الحرب قد بدأت قبل الاتفاق على صورة النهاية؟

وعند هذه النقطة، يغدو البعد الإنساني جزءًا من صلب القراءة السياسية. فالحروب التي تُفتح على أهداف متحركة لا تُرهق الجيوش وحدها، بل تُرهق المجتمعات أيضًا: تُدخل المدن في زمن القلق، وتُحمّل الداخل الأمريكي كلفة سياسية وأخلاقية متزايدة، وتدفع الناس العاديين إلى دفع ثمن قرارات لا يشاركون في صياغتها. وحين يكون تعريف النصر نفسه موضع نزاع، فإن الخسارة تصبح أكثر يقينًا من أي صورة معلنة للغلبة.

لهذا، قد يكون الأدق النظر إلى الحرب على إيران لا باعتبارها طريقًا مستقيمًا إلى حسم كبير، بل بوصفها لحظة تكشف حدود القوة حين تُطالَب بما ليس من طبيعتها. وقد تكون النتيجة، في أفضل الأحوال، ضغطًا يفضي لاحقًا إلى تفاوض أشد خشونة. أما في أسوأها، فهي استنزاف مفتوح أو اضطراب أوسع من أن تحتمله المنطقة. وبين هذين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا أن ما بعد الحرب لا تصنعه النيران وحدها، بل تصنعه أيضًا القدرة على تصور نظام سياسي قابل للحياة، وهو ما لا يبدو أن أحدًا يملكه مكتملًا حتى الآن.

لهذا كله، يبدو المستقبل الأقرب لهذه الحرب أقل ميلًا إلى الحسم السريع، وأكثر اقترابًا من أحد مسارين: إما استنزاف متدرج تتراجع معه القدرة على تعريف النصر بوضوح، وإما ضغط عسكري ينتهي إلى تفاوض قسري بعد أن تكون الأطراف قد اختبرت حدود ما تستطيع احتماله. وفي الحالتين، تظل الحقيقة الأبرز أن القوة قد تفرض وقائع قاسية، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الترتيب السياسي الذي يليها. وبين الطموح الإسرائيلي المرتفع، والحذر الأمريكي المؤسسي، وتماسك إيران النسبي، تتشكل لحظة إقليمية مفتوحة، لا تبدو نهايتها حتى الآن في متناول التوقع السهل.

(4)

الخلاصة التي تفرض نفسها بهدوء أن هذه الحرب لا تكشف فقط ما تستطيع القوى الكبرى والإقليمية أن تفعله، بل ما تعجز عن بلوغه حين ترتفع التوقعات فوق قدرة الوقائع على الاستجابة. فإسرائيل تبدو أقرب إلى توسيع معنى الحرب إلى ما بعد الردع، والولايات المتحدة أقرب إلى حساب كلفة ما بعد الضربة، وإيران، رغم الضغط الواقع عليها، لا تزال أبعد من أن تُختزل في هدف عسكري قابل للكسر السريع. وبين هذه المستويات كلها، تتكشف المعضلة الحقيقية لا في إشعال المواجهة، بل في استيعاب ما قد تفضي إليه؛ ففتح أبواب القوة قد يبدو أيسر نسبيًا، غير أن الأصعب هو إدراك شكل العالم الذي سيظهر بعد انقشاع الدخان.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15411

موضوعات ذات صلة

الشائعات .. عواصف الكترونية في وجدان المصريين

المحرر

الصحفي الإلكتروني بين المهام المتشابكة

المحرر