سليدرمنوعات

اضطراب فرط الحركة: حقيقة علمية تتجاوز “سوء السلوك”

يُعد اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) أحد أكثر الاضطرابات العصبية النمائية شيوعاً، ورغم ارتباطه الوثيق بمرحلة الطفولة، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد استمراره في كثير من الحالات حتى مرحلة البلوغ، إذ إن هذا الاضطراب ليس مجرد “كثرة حركة” عابرة، بل حالة طبية حقيقية تتطلب فهماً عميقاً وتدخلاً متخصصاً.

ما هو فرط الحركة؟

يقول دكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن ADHD هو اختصار للمصطلح الإنجليزي (Attention Deficit Hyperactivity Disorder). حيث إنه اضطراب في وظائف الدماغ يؤثر على كيفية تنظيم الفرد لانتباهه وسلوكه واندفاعيته، إذ يتميز بنمط مستمر من الأعراض التي تندرج تحت ثلاث فئات رئيسية قد تظهر مجتمعة أو منفصلة، أولها؛ نقص الانتباه (Inattention) وهو لا يعني عدم القدرة على التركيز مطلقاً، بل صعوبة في الحفاظ على التركيز على المهام الروتينية أو التي تتطلب جهداً ذهنياً مستمراً فيعاني المصابون من النسيان المتكرر، وصعوبة في تنظيم الأنشطة اليومية، وتجنب المهام التي تتطلب تخطيطاً. وثانيهما هو فرط النشاط (Hyperactivity)، حيث يظهر هذا في التململ الجسدي المستمر، وصعوبة البقاء جالساً في مكان واحد سواء في الفصل الدراسي أو المكتب، والشعور الدائم بالقلق والحاجة إلى الحركة.

ثم تأتي “الاندفاعية” (Impulsivity)، والتي تتجلى في التصرف دون تفكير مسبق للعواقب، ومقاطعة الآخرين بشكل متكرر أثناء الحديث، ونفاد الصبر وصعوبة انتظار الدور. وللعلم: فإن الإناث المصابات بالـ ADHDتميل أكثر لإظهار أعراض نقص الانتباه والسرحان، مما قد يؤخر تشخيص حالتهن مقارنة بالذكور الذين يغلب عليهم فرط النشاط الواضح.

ويُضيف استشاري الطب النفسي: بعيداً عن المفاهيم الخاطئة التي تحصره في “سوء التربية”، يعد الـ ADHD نتاج تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ووراثية، فالعامل الوراثي يلعب دوراً رئيسياً، حيث تُشير الأبحاث إلى وجود اختلافات في بنية ووظائف الدماغ لدى المصابين، خاصة في مناطق التحكم في الانتباه والوظائف التنفيذية، إذ إن العوامل البيئية المبكرة، مثل التعرض للنيكوتين أو الكحول أثناء الحمل، قد تزيد من المخاطر أيضاً.

تحديات يومية

وتابع “فرويز”: يواجه المصابون بالـADHD تحديات كبيرة في حياتهم اليومية، فالصعوبات الأكاديمية شائعة بين الأطفال، بينما يواجه البالغون مشكلات في إدارة الوقت، والالتزام بالمواعيد النهائية، وإجهاد علاقاتهم الاجتماعية بسبب النسيان المتكرر أو نوبات الاندفاع، حيث إن الفهم والدعم المتوفرين في المنزل والمدرسة ومكان العمل حيويان لنجاح هؤلاء الأفراد.

عملية التشخيص

وأشار استشاري الطب النفسي، إلى أن التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى نحو المساعدة الفعالة، لافتًا إلى أنه لا يوجد فحص دم أو أشعة سينية واحدة لتشخيص الـ ADHD، حيث يعتمد الأطباء والمتخصصون النفسيون على تقييم شامل يشمل مراجعة التاريخ الطبي والسلوكي، وملاحظات من الوالدين والمعلمين أو أرباب العمل، واستخدام مقاييس ومعايير تشخيصية معتمدة، مثل تلك الموجودة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5 فمن الضروري استبعاد الحالات الأخرى التي قد تتشابه أعراضها مع الـ ADHD، مثل اضطرابات القلق أو مشاكل السمع والبصر.

التعايش والدعم

وأوضح دكتور جمال فرويز، إلى أنه بجانب العلاجات الطبية، يلعب التعايش الذكي دوراً محورياً، حيث يمكن لاستراتيجيات بسيطة أن تحدث فرقاً كبيراً، مثل استخدام التقويمات الملونة والمنبهات لتذكير المهام، وتقسيم المشاريع الكبيرة إلى خطوات صغيرة يمكن التحكم بها، كما أن مجموعات الدعم، سواء للمصابين أو لعائلاتهم، توفر بيئة آمنة لتبادل الخبرات والشعور بالانتماء، فقبول الحالة والعمل بالتعاون مع المتخصصين يساعد على بناء الثقة بالنفس وإدارة التحديات بفعالية أكبر.

جانب مشرق

وأكد استشاري الطب النفسي، أنه من المهم ألا نغفل الجوانب الإيجابية المرتبطة غالباً بصفات الـ ADHD فكثير من المصابين يمتلكون طاقة هائلة، وقدرة على التفكير خارج الصندوق، وإبداعاً فطرياً، فعندما يجد هؤلاء الأفراد مجالاً يثير اهتمامهم وشغفهم، يمكنهم الدخول في حالة من “فرط التركيز” (Hyperfocus) التي تمكنهم من إنجاز مهام مذهلة، إذ إن توجيه هذه الطاقة بشكل صحيح يمكن أن يحول التحدي إلى ميزة تنافسية في مجالات الفنون وريادة الأعمال وحل المشكلات المعقدة.

خطة علاج

ولفت “فرويز” إلى أن الـ ADHD حالة مزمنة، لكنها ليست حاجزاً أمام النجاح، فهناك علاجات فعالة للغاية تهدف إلى التحكم في الأعراض وتحسين نوعية الحياة، مثل العلاج السلوكي والمعرفي (CBT) حيث يساعد هذا العلاج الأفراد على تطوير مهارات التنظيم الذاتي، وإدارة الوقت، وتعزيز السلوكيات الإيجابية، وذلك بالإضافة إلى العلاج الدوائي عن طريق الأدوية المنشطة، وهي الأكثر شيوعاً وفعالية، حيث تساعد على زيادة مستويات النواقل الكيميائية في الدماغ المسؤولة عن التركيز والانتباه، فضلاً عن أهمية الدعم البيئي من خلال توفير بيئة داعمة ومتفهمة في جميع مناحي الحياة؛ ليكون عامل أساسي لنجاح خطة العلاج.

وأكد استشاري الطب النفسي، أن التشخيص الدقيق والفهم الصحيح لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هما المفتاح لتمكين المصابين به من عيش حياة منتجة وناجحة، بعيداً عن الوصمات الاجتماعية غير المبنية على أساس علمي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=8950

موضوعات ذات صلة

سفارة معرفة مصرية بقلب برلين

أيمن مصطفى

مركز زوار قلعة قايتباي.. نافذة على تاريخ الإسكندرية

المحرر

بصمة كنيسة الروم الأرثوذكس على خُطى المسيح بمصر

حازم رفعت

مسلسل انهيار العقارات القديمة بالإسكندرية عرض مستمر

أيمن مصطفى

لو خلص الفول أنا مش مسؤول.. نداء صحي لأهمية البقوليات

المحرر

الأحزاب تشيد بإحباط مخطط حسم الإرهابي

المحرر