ثقافة وأدبسليدر

الحبيب السالمي يروي أحوال الاغتراب في “أيتها القبرة”

يواصل الكاتب التونسي الحبيب السالمي مشروعه الروائي، في روايته الجديدة “أيتها القبرة” (دار الآداب 2025)، عبر تأمل العلاقات الإنسانية في ضوء الاغتراب والزمن والموت.

يختار الحبيب السالمي فضاءً أكثر ضيقاً وهدوءاً، وأشد حمولة بالوحدة والحنين، إذ يجعل من الحوار بين مهاجر تونسي ستيني يعيش في فرنسا وبين في روايته هذه، العجوز جوسلين، والدة زوجته الراحلة، مدخلاً إلى مساءلة أعمق لجوهر الوجود الإنساني في نهاياته.

منذ الصفحات الأولى نكتشف أن ما يبدو حواراً بسيطاً بين شخصين هو في الحقيقة تأمل طويل في الشيخوخة والذاكرة والهوية، وفي العلاقة بين الشرق والغرب عندما يتقدم العمر، وتبهت الحواجز الثقافية أمام هشاشة الجسد، التي تطغى على الطبقة الخارجية من المشاعر الإنسانية المحكومة بـسلوك ظاهري، لكن ثمة ما هو خفي يواجهه البطل السارد، الذي يعيش تجربة الاعتناء بوالدة زوجته التسعينية جوسلين، يقول: “الغريب أني شعرت أنا الآخر آنذاك، بما يشبه الرغبة في التحدث إليها. للمرة الأولى يحدث لي هذا، هل تعود هذه الرغبة إلى هذا الشعور بالعزلة الذي بدأ يتسلل إليَّ منذ أسابيع عدة قليلة؟ كنت أتصور أني قوي وصلب من الداخل، وأني لن أحتاج إلى أي كان، حتى بعدما فقدت دومينيك، ها أنا أكتشف أني مخطئ”.

                                                            الرواية الجديدة (دار الآداب)

يعري السالمي الهشاشة الإنسانية، ويكشف عن التواطؤ نحوها، كما لو أنها حقيقة الوجود الإنساني في أنقى صوره. فكل ما نراه من صلابة أو قوة ليس سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها خوف الإنسان العميق من الزوال، وهذا يتكشف مع مرحلة التقدم في السن، حين يبدأ الجسد في الانسحاب ببطء، وتفقد الذاكرة قدرتها على تثبيت التفاصيل، ويغدو الزمن نفسه ثقيلاً كظل لا يفارق صاحبه. وفي الشيخوخة يكتشف الإنسان أن التوازن الذي ظل يبنيه طوال حياته كان مهدداً منذ البداية، وأن ما يسميه توازناً لم يكن إلا تمريناً موقتاً على مقاومة الضعف.

ومع ذلك فإن هذه الهشاشة تحمل نوعاً من الجمال الخفي، لأنها تكشف جوهر الإنسان المتجرد من الزيف، وتجعله أقرب إلى ذاته وأكثر تصالحاً مع مصيره، مثل قبرة تغني على رغم أن جناحها مكسور. لنقرأ: “منذ البداية، كنت واعياً بأن الاعتناء بجوسلين ليس مهمة سهلة، من حسن الحظ أنه لدي ما يكفي من الوقت للقيام بهذه المهمة، فأنا متقاعد منذ عامين، كنت مهندساً، وأمضيت 35 عاماً في العمل… هل كنت سأقوم برعاية جوسلين، إلى هذا الحد، لو لم تكن أماً لدومينيك؟ ضميري لن يسمح لي بأن أهملها، لن أترك امرأة، وهي في هذا العمر المتقدم، وفي مثل هذه الحال الجسدية والنفسية المتدهورة تواجه مشكلات الحياة بمفردها”.

العناية كخلاص متأخر

تتجلى فكرة التقاطعات الإنسانية في الرواية، على مدى السرد، كخيط دقيق يمر عبر كل صفحاتها، فالعجوز الفرنسية جوسلين ليست مجرد شخصية جانبية أو رمز للشيخوخة، بل هي تجسيد حي لضعف الإنسان أمام الزمن. جسدها المرهق، وارتباكها في الذاكرة، وتشبثها الطفولي بالأغاني القديمة، كلها ملامح لذلك الانكسار الهادئ الذي يرافق الكائن في أواخر حياته، لكنها في الوقت نفسه ومن داخل هذا الضعف، تفيض بلطف غير متوقع، إذ تتحول هشاشتها إلى مساحة للمشاركة الإنسانية مع زوج ابنتها التونسي الغريب الذي لم ترتبط معه بعلاقة عائلية قوية الوشائج خلال حياة ابنتها، والآن تفتح قلبها وبيتها للرجل الذي فقد زوجته، ابنتها، وتمنحه فرصة ليرى في ضعفها مرآة ضعفه هو أيضاً.

الراوي بدوره يختبر هذه العلاقة على نحو آخر، ليس من خلال الجسد، بل من خلال الوحدة والحنين وفقدان المعنى. وبين الاثنين، الرجل المهاجر والعجوز الفرنسية، ينشأ نوع من التضامن الصامت، كأن كل واحد منهما يمد للآخر يداً غير مرئية ليتشبث بالحياة، هنا تتحول الشيخوخة من نهاية إلى لحظة وعي نادرة.

الرواية تروى بضمير المتكلم، من منظور محمد، الذي اعتادت زوجته الراحلة دومينيك وعائلتها على مناداته “مو”، أو “موهايميد”. في البداية تبدو الزيارات التي يؤديها الراوي لوالدة زوجته واجباً أخلاقياً، أو رداً للجميل، لكنه سرعان ما يكتشف أن تلك اللقاءات المتكررة مع جوسلين تمنحه هو نفسه فرصة لاكتشاف الذات والآخر.

يتحول الحوار بينهما إلى نوع من التأمل الهادئ في الوجود: حديث عن الأم، عن الطفولة، عن الأغنية الفرنسية القديمة “أيتها القبرة” التي تتردد كخيط موسيقي يربط بين الذاكرة والحاضر. ومع كل زيارة، تتكشف ملامح الماضي: قصة الزوجة، وعلاقته بأمه في تونس، ووحدته في باريس، وعلاقته الغريبة بالموت الذي صار جاراً مألوفاً، ثم هناك أفق جديد ينفتح له، مع قصة حب وليدة تبدأ عبر معرفته بمادلين، امرأة في مثل سنه، يتطلع إلى استمرار علاقته بها.

الشرق والغرب

تتجلى مهارة الحبيب السالمي في تحويل الحدث اليومي البسيط إلى سؤال وجودي عميق، فالرجل لا يروي، بل يصغي إلى العجوز، وإلى نفسه، بخاصة بعد اكتشافه أيضاً، أن هناك رجلاً يدعى جاك يتردد عليها في البيت، وهذا كان مفاجئاً بالنسبة إليه، لنقرأ: “طبعاً لم أشعر في أعماقي بالإحساس بالكراهية أو النفور تجاه جوسلين، لن ألومها أو أعاتبها، هي حرة تماماً في ما تفعله في حياتها… غزت ذهني أسئلة كثيرة، من يكون هذا الرجل؟ ثم أين وكيف تعرفت إليه؟ إنها لا تخرج من بيتها إلا عندما أكون برفقتها، ثم لماذا لم تحدثني عنه قط؟ ولعل السؤال الأهم هل هي تحبه؟”.

يقوم جوهر النص على التماس بين ثقافتين: العربية والفرنسية. الراوي عربي يعيش في فرنسا منذ عقود، لكنه لم يندمج تماماً. اسمه، ونطقه، وعاداته، وحتى حنينه، جميعها تضعه في منطقة رمادية بين العالمين، وفي المقابل تبدو جوسلين، المرأة الفرنسية العجوز، التي تقترب من العالم العربي بطريقة عفوية، عبر نطقها لاسم أمه “منوبية” أو اهتمامها بطعامه وذكرياته.

هذا التبادل بين الثقافتين لا يقدم بصيغة الصدام، كما في روايات الهجرة الكلاسيكية، بل بصيغة الترابط الإنساني: لغتان تتقاطعان في لحظة ضعف مشترك، حيث الشيخوخة تمحو الفوارق، وتترك الإنسان عارياً أمام مصيره. حين تسأل جوسلين الراوي عن اسم أمه أو عن لون بشرتها أو طعامها المفضل، لا تفعل ذلك من باب الفضول، بل من رغبة في الانتماء إلى ذاكرته، كأنها تبحث عن حياة جديدة من خلاله، وهكذا تتحول الذاكرة إلى وطن بديل، واللغة إلى وسيلة خلاص.

لغة الطير

القبرة، الطائر الذي يحضر في العنوان “أيتها القبرة”، يفتح باب التأويل منذ اللحظة الأولى. في ظاهر الأمر هو مستمد من أغنية فرنسية قديمة تغنيها جوسلين أثناء حديثها مع الراوي، لكنها في عمق النص تتحول إلى استعارة مركزية: القبرة هي الطائر الذي يغني قبل أن يسقط من السماء، تماماً كما يحاول الإنسان أن يتشبث بصوته الأخير أمام العدم.

الراوي وجوسلين كلاهما قبرة، كل منهما يحاول الغناء على طريقته، هو بالكلمات والتذكر، وهي بالأغنية والحنين، وبينهما تقوم رواية عن الشيخوخة كفن للوداع البطيء، وعن الحياة التي لا تكتمل إلا حين نراها من حافة نهايتها.

حتى الحوار عن الأطعمة، مثل “العجة” التونسية أو “الأومليت” الفرنسية، يتحول إلى جسر بين عالمين. الطعام والحديث والذاكرة ليست سوى أدوات لإبقاء الروح حية، وفي النهاية لا يبقى من الشخصيات إلا أثرها الشفيف، كما تبقى زقزقة الطيور بعد رحيلها عن الحديقة.

بل يكفي أن نصغي إلى نبض الكائن الإنساني في وحدته القصوى، ليفتح أمام القارئ أسئلة الحياة والموت والهوية من جديد. لغة السالمي في هذا العمل متقشفة ودقيقة، كما في كل رواياته لا يعتمد على الزخرفة أو الوصف المفرط، بل على الإيحاء والاقتصاد، على التأمل في لحظات وجودية يومية وعميقة. الجمل قصيرة، معبرة، ومحملة بوعي ووجع داخلي هائل. كل تفصيل: مثل كوب ماء، ونغمة طائر، وحركة يد واهنة، يصبح علامة على الزمن المنقضي.

بهذه التقنية يثبت صاحب “الاشتياق إلى الجارة” أن الرواية لا تحتاج إلى أحداث كبرى لتحدث أثرها، فالعالم كله يمكن أن يوجد في غرفة صغيرة على أريكة، بين رجل غريب ومتعب وعجوز تفتح الشباك وتنظر إلى القبرة، وهي تحلق في الأفق.

د.لنا عبد الرحمن

independentarabia

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=7253

موضوعات ذات صلة

مقترحات حزبية بشأن قانون الإيجار القديم

المحرر

د. أسامة رسلان: التكامل الإفريقي يحقق النهضة الزراعية

المحرر

حريق سنترال رمسيس يصيب مصر بسكتة تكنولوجية

المحرر

صرخات العالم قبل أن تلتهم حرب التجويع أطفال غزّة

المحرر

غادة العبسي: الحب أخرجني من سجن الحرب

المحرر

محمد الشافعي: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في أدب المقاومة

المحرر