سليدرشؤون سياسية

الحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد

مع انطلاق دورة برلمانية جديدة، يبقى ملف الحكومة مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا تُدار فقط بمنطق النص الدستوري، بل بميزان أدق تفرضه معادلة الاقتصاد والشارع معًا. فالمشهد الحالي لا يتحرك في فراغ، بل في سياق ضاغط تتداخل فيه تحديات الداخل مع تحولات الإقليم والعالم، ما يجعل قرار الإبقاء أو التغيير أقرب إلى رهان محسوب لا يحتمل المجازفة.

الدستور يمنح رئيس الجمهورية المساحة الكاملة لاتخاذ القرار، لكن السياسة، بطبيعتها، لا تكتفي بالمساحات القانونية وحدها، بل تقرأ التوقيت والرسائل والنتائج المحتملة. ومن هنا، يظل السؤال مطروحًا: أي الخيارين أقدر على التعامل مع المرحلة المقبلة، الاستمرار أم التحول؟

الاستمرار خيار إدارة المخاطر

خيار الإبقاء على الحكومة الحالية يُقرأ بوصفه توجهًا لإدارة المخاطر أكثر منه تمسكًا بالأشخاص. فالحكومة القائمة تتحرك بالفعل داخل ملفات مفتوحة، من مشروعات قومية كبرى إلى التزامات مالية واقتصادية ممتدة، وهو ما يجعل الاستمرارية في نظر مؤيدي هذا المسار أداة لتفادي كلفة التغيير في توقيت حساس.

وترى مها الشريف، رئيس تيار المستقبل ضد العنف والإرهاب ونائب رئيس حزب الغد، أن الاستقرار الحكومي في هذه المرحلة يحمل دلالة سياسية مهمة، مفادها أن الدولة تفضل تثبيت المسار بدلًا من إدخال عناصر ارتباك جديدة. وتؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الحكومة بقدر ما يكمن في تطوير أدواتها، وتوسيع هامش التواصل مع الشارع، بحيث يشعر المواطن أن الاستقرار لا يعني الجمود، بل تحسين الأداء.

لكن هذا الخيار، على الرغم من وجاهته، لا يخلو من تساؤلات مستقبلية. فالأوضاع الاقتصادية لا تنتظر، والضغوط المعيشية تفرض إيقاعًا أسرع، ما يضع الحكومة في حال استمرارها أمام اختبار مختلف، يتجاوز إدارة الملفات إلى تحقيق اختراقات ملموسة في حياة المواطنين.

رهان الاقتصاد 

في المقابل، يطرح خيار الرهان على الاقتصاد نفسه كعنوان للمرحلة، عبر إسناد المسؤولية التنفيذية الأولى لشخصية ذات خلفية اقتصادية عميقة، قادرة على التعامل مع التحديات بلغة الأرقام والتوازنات الدولية. هذا المسار لا ينطلق من نقد مطلق للحكومة الحالية، بقدر ما يعكس قناعة بأن طبيعة المرحلة المقبلة تختلف عن سابقتها.

المحلل السياسي طارق الهواري يرى أن الدولة تتجه تدريجيًا نحو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يصبح الاقتصاد هو المدخل الأساسي للسياسة، لا العكس. ويشير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة تفكر بمنطق المستقبل، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية، حكومة تضع خريطة واضحة لتقليص الدين، وتحفيز الاستثمار، وإعادة الثقة في السوق.

ويضيف الهواري أن طرح أسماء اقتصادية بعينها في هذا السياق يعكس نقاشًا أعمق داخل دوائر القرار، حول شكل الحكومة المطلوبة، وليس فقط حول تغيير الوجوه. فالمسألة هنا تتعلق بنمط إدارة مختلف، يربط بين الإصلاح الهيكلي ونتائجه الاجتماعية، بحيث لا يبقى الإصلاح حبيس التقارير، بل يتحول إلى أثر محسوس.

بين الحاضر والمستقبل

ما بين خيار الاستمرار وخيار الرهان على الاقتصاد، يتحرك القرار في مساحة دقيقة، توازن بين استقرار الحاضر ومتطلبات المستقبل. فالإبقاء على الحكومة الحالية قد يمنح الوقت اللازم لاستكمال مسار قائم، لكنه يفرض في الوقت نفسه تطويرًا نوعيًا في الأداء. أما اختيار مسار اقتصادي جديد، فيعكس رغبة في تسريع وتيرة الإصلاح، مع ما يحمله ذلك من تحديات ومسؤوليات مضاعفة.

وفي كل الأحوال، يبقى الرهان الحقيقي ليس على اسم الحكومة أو شكلها، بل على قدرتها على تحويل السياسات إلى نتائج، والرؤى إلى واقع، بما يخفف العبء عن المواطن، ويعيد بناء الثقة بين الشارع وصانع القرار. فالحكومة المقبلة، أيا كان مسار تشكيلها، لن تُقاس بطول عمرها، بل بعمق أثرها في حاضر البلاد ومستقبلها

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12769

موضوعات ذات صلة

صواريخ الحوثي تربك العمق الإسرائيلي

المحرر

الزمالك يطوي صفحة عبد الرؤوف ويحدد البديل

محمود المهدي

غادة موسى : نجاح الأحزاب بالانتخابات بالقوائم فقط

غادة سعد

أزمة جديدة.. مهاجم الزمالك يريد فسخ تعاقده رسمياً

محمود المهدي

تخريج دفعة جديدة من الدعاة الوافدين بالأزهر

محمود على

هل يُعيد البابا تواضروس كتابة تاريخ الكنيسة القبطية؟

حازم رفعت