سليدرفنون

الدراما في مواجهة السردية الإسرائيلية

أشعل تعليق الناطقة العربية باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية على مسلسل “صحاب الأرض” موجة جديدة من التفاعل السياسي والإعلامي، مانحًا العمل الدرامي زخما تجاوز حدوده الفنية إلى ساحة الاشتباك السياسي المفتوح. فقد انتقدت واوية الفكرة المركزية التي يطرحها المسلسل بشأن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، محاولة إعادة تثبيت السردية الإسرائيلية التقليدية القائمة على “الدفاع عن النفس”.

الدراما في قفص الاتهام …لهذا السبب

لكن رد مخرج العمل بيتر ميمي جاء حاسما، مؤكدًا أن “صحاب الأرض” لا يقدم رواية دعائية، بل يوثق وقائع حدثت بالفعل، وينقل مشاهد إنسانية تعبّر عما واجهه الفلسطينيون في غزة. هذا التراشق العلني فتح الباب أمام ما يشبه “معركة سرديات” على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مصريين وإسرائيليين، كل طرف يدافع عن روايته للتاريخ .

يصعب النظر إلى “صحاب الأرض” باعتباره عملا دراميا خالصا. فالعمل يتبنى بوضوح رؤية سياسية مصرية رافضة لسياسات إسرائيل تجاه غزة، ويؤكد فكرة محورية مفادها أن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض، وأن محاولات اقتلاعهم لن تنجح. وقد جرى تمرير هذه الرسالة عبر معالجة إنسانية ناعمة، تسمح بوصولها إلى جمهور أوسع، عربي ودولي، خاصة مع إرفاق ترجمة إنجليزية للحلقات.

هذا التوظيف السياسي للدراما ليس جديدا في مصر. فقد سبق أن تناولت أعمال شهيرة مثل دموع في عيون وقحة ورأفت الهجان الصراع الاستخباراتي بين القاهرة وتل أبيب، مقدمة صورة أسطورية عن قدرات المخابرات المصرية. كما جاء مسلسل مليحة العام الماضي ليعالج البعد الإنساني للعلاقة بين مصر وغزة، وهو ما امتد بصورة أكثر وضوحًا في “صحاب الأرض” من خلال قصة عاطفية جمعت بين طبيبة مصرية أدتها منة شلبي وشاب فلسطيني جسده إياد نصار، في إشارة رمزية إلى تشابك المصيرين المصري والفلسطيني.

كسر الرواية المقابلة

أحد أبرز أسباب الغضب الإسرائيلي من العمل أنه يفند رواية حاولت تل أبيب ترويجها خلال الحرب على غزة، تتهم مصر بفرض حصار إنساني على القطاع. إذ يعرض المسلسل، بشكل غير مباشر، سردية تؤكد أن معبر رفح مفتوح من الجانب المصري، بينما الإغلاق يتم من الجهة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. كما عززت بعض الوقائع الحقيقية التي تم تضمينها في السياق الدرامي من مصداقية العمل، خاصة بعد أن أكد شهود عيان وشخصيات شاركت في الأحداث صحة ما عرض.

في المقابل، لم تترك إسرائيل الساحة الفنية خالية. فقد أنتجت منصة نتفليكس فيلم الملاك، الذي قدم رؤية قريبة من الطرح الإسرائيلي لقضية السياسي المصري أشرف مروان، باعتباره عميلا لإسرائيل، في معالجة بدت أقرب إلى سردية الموساد منها إلى الرواية المصرية. وهنا يتضح أن الفن بات أداة موازية للصراع السياسي، لا تقل أهمية عن المواجهات الدبلوماسية أو العسكرية.

 بعد السلام… حروب ناعمة

منذ توقيع اتفاقية السلام عام 1979، انتهت الحرب التقليدية بين مصر وإسرائيل، لكن أشكالا أخرى من الصراع برزت، كان من بينها الإعلام والفن. ومع اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، تصاعد التوتر الإعلامي، وظهرت اتهامات إسرائيلية لمصر بشأن ترتيبات أمنية في سيناء، في مقابل تجاهل تل أبيب لانتشارها العسكري المكثف قرب محور فيلادلفيا، بما أثار جدلا حول مدى الالتزام ببنود اتفاقية كامب ديفيد.

في هذا السياق، جاء “صحاب الأرض” ليعزز الرواية المصرية تجاه غزة، ويؤكد أن الصراع لم يبدأ بعملية “طوفان الأقصى” قبل ثلاثة أعوام، بل يمتد لعقود طويلة. ومن هنا يمكن فهم حجم الانزعاج الذي عبّرت عنه إيلا واوية، والذي عكس، بحسب مراقبين، قلقا داخل النخبة العسكرية الإسرائيلية من قدرة الدراما على التأثير في الرأي العام.

دراما تتجاوز الحدود

إرفاق ترجمة إنجليزية بالحلقات يشير إلى أن الجمهور المستهدف ليس عربيا فقط، بل دولي أيضا. كما أن العمل قد يثير نقاشا داخل إسرائيل نفسها، في ظل وجود أكثر من مليوني فلسطيني يحملون جنسيتها، وهو ما يفتح الباب أمام مساءلات داخلية حول الرواية الرسمية.

يشير الصدى الواسع الذي أحدثه “صحاب الأرض” إلى أن الدراما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أداة استراتيجية في معركة الوعي. فالإنفاق على عمل درامي متقن قد يكون أكثر تأثيرا من حملات إعلامية باهظة الكلفة محدودة الصدى. وبينما تتواصل الاشتباكات العسكرية والسياسية، يبدو أن “الحرب الناعمة” عبر الشاشة ستظل ساحة مفتوحة، تتنافس فيها الروايات، ويختبر فيها تأثير الفن على تشكيل الذاكرة الجمعية للأجيال المقبلة.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14674

موضوعات ذات صلة

ياسمين صبري: المشروع إكس محطة مختلفة في مسيرتي..

abc

مقتنيات أبرز النجوم على أرصفة الشوارع.. تثير الجدل

المحرر

وعد البحري تواصل نجاحها مع «لايف ستايلز ستوديوز» بأعمال جديدة مع فهد الزاهد

أحمد عاشور

فتح باب التقديم للمناصب القيادية بالمدارس المصرية اليابانية

أيمن مصطفى

بيراميدز من الحلم إلى حقيقة في 2025

محمد عطا

شمس البارودي بين فقدان زوجها وابنها حزن لا ينتهي

المحرر