مقال رئيس التحرير

الشائعات .. عواصف الكترونية في وجدان المصريين

د. خالد محمد غازي

في زمنٍ تحوّلت فيه الشاشات إلى نوافذَ على العالم، نجد أنفسنا غارقين في فيضٍ من المعلومات التي تختلط فيها الحقائق بالأوهام. لم تعد الشائعات ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى أسلحة تفكيك منهجية تُهدّد كيان المجتمعات ، ومصر – بتركيبتها الاجتماعية المعقدة – تُقدم لنا مختبرًا حيًا لدراسة هذه الظاهرة، فمن خلال الصحافة الإلكترونية العاجلة عن التحقق، وبرامج التوك شو التي تختزل القضايا في دراما مثيرة، ومنصات السوشيال ميديا التي تصنع “حقائق موازية”، نسير على حافة انهيار الثقة بين المواطن ومحيطه. 

(1)

تمثل مصر نموذجًا استثنائيًا لمعاناة المجتمعات أمام ظاهرة الشائعات الرقمية التي تتجاوز كونها معلومات مغلوطة لتصبح ظواهر اجتماعية معقدة تترك آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي. وعلى سبيل المثال في خضم جائحة كورونا، تجلت هذه الظاهرة من خلال شائعة “اختفاء أدوية الضغط”، التي لم تكن مجرد كذبة عابرة تنتشر عبر منصات التواصل، بل تحولت إلى أزمة ذات أبعاد متعددة. رغم النفي الرسمي المتكرر من وزارة الصحة، تمكنت هذه الشائعة من الانتشار الواسع عبر مواقع إخبارية، مما أدى إلى حالة من الذعر الهستيري بين المرضى والمواطنين.ولم تكن تبعات الشائعة سطحية أو وقتية، بل تحولت إلى  مشكلة حقيقية ذات تداعيات واضحة على الواقع ، حيث شهدت الصيدليات اندفاعًا غير مسبوق، مع تخزين هائل لأدوية يفترض أن تكفي لسنوات، مما حرم مرضى ضغط الدم الفعليين من حقهم في العلاج الضروري. وفقًا لتقارير الجهات الرقابية في 2021، تكبد الاقتصاد خسائر تجاوزت 300 مليون جنيه، لكن الأرقام لا تفي بتوصيف حجم الضرر الاجتماعي والنفسي.

وتفاصيل هذه الأزمة ترسم صورة قاتمة أن 75% من مرضى الضغط اندفعوا للصيدليات خلال 48 ساعة فقط، مع تخزين أدوية تكفي لثلاث سنوات، في حين تحولت مستشفيات الصعيد إلى مسارح معاناة لمرضى حُرموا من جرعاتهم اليومية.

 وتشكل  الشائعات انعكاسًا حقيقيًا لصراعات عميقة يعيشها المواطن، تتمحور حول سعيه المستمر لإيجاد ملاذات نفسية واجتماعية داخل فضاءات افتراضية تزداد فيها وتيرة الشائعات وتتصاعد تأثيراتها، حيث يواجه المواطن صدمة مزدوجة تتمثل في انجذابه نحو جماعات افتراضية تقدم تفسيرات مبسطة وسريعة لأزمات معقدة، ما يؤدي إلى تعميق حالة التضليل وزيادة الإحباط، ويضعف من ثقة الفرد في مصادر المعرفة الرسمية والمجتمعية.

(2)

وعلى مستوى أعمق من التأثير النفسي، تظهر ظاهرة “التسمم المعرفي” حيث يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم عندما يتعرض لعدد كبير من الرسائل المضللة حول موضوع واحد.وقد تجلى هذا التأثير بوضوح في الشائعات التي ربطت بين التطعيم والعقم، مما أدى إلى ظهور جيل من الأمهات يعانين من وساوس قهرية تجاه مسألة التطعيم.

ولعل أخطر التجليات هي تلك المرتبطة بالأمن القومي، ففي أكتوبر 2023، انتشرت على “واتساب” وثيقة مزيفة تزعم تعاقد الجيش على شراء أسلحة فاسدة من أوكرانيا. الفريق سامح سيف اليزل، الخبير الاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية، يحذر: “هذه ليست شائعات عابرة بل حروب الجيل الخامس. الهدف تفكيك الثقة بين الشعب ومؤسساته السيادية”. وكشفت الجهود المضادة أن الوثيقة نُشرت من خلال 1300 حساب وهمي تم إنشاؤها من مدينة طرابلس الليبية.

في قطاع الشؤون الدينية، تحولت فتوى “تحريم البطاطس” عام 2024 إلى أزمة اجتماعية حادة، بعدما نشر أحد الدعاة المشهورين على “يوتيوب” ادعاءً بأن البطاطس المستوردة من هولندا تحمل جينات خنزير. تسبب هذا الادعاء في انهيار سوق البطاطس بنسبة بلغت 70% في صعيد مصر، ما أدى إلى معاناة آلاف المزارعين الذين فقدوا مصدر رزقهم. تفاقمت الأزمة بسبب استناد الفتوى إلى آية قرآنية محرّفة، مما أثار موجة من الجدل والغضب. وردًا على ذلك، أطلقت منصة “شِف” التابعة للأزهر سلسلة من 14 فيديوًّا تفنيديًّا لنفي هذه الشائعة، بمشاركة مباشرة من مفتي الجمهورية، في محاولة لاحتواء التداعيات ووقف انتشار المعلومات المغلوطة.

(3)

أما منصات التواصل الاجتماعي، فتقود معركةً أكثر خبثًا ، ففي عام 2021، تحول تطبيق “تيك توك” في مصر إلى ساحةٍ لمأساةٍ إنسانية حين انتشرت تحديات خطيرة مثل “تحدي الموت” الذي دفع مراهقين إلى تنفيذ مهامٍ مجنونة مقابل الشهرة. النتيجة كانت مروعة 17 حالة وفاة موثقة رسميًا حسب تقارير النيابة العامة، بينهم طفلٌ في الرابعة عشرة قفز من سطح بناية أثناء محاولة التقاط مقطع “فيروسي”.

ولا يمكن إغفال دور برامج التوك شو في تأجيج الأزمات. ففي حلقةٍ شهيرةٍ من برنامج “الحكاية” (MBC مصر، 2020)، تم تقديم تقريرٍ مثيرٍ عن “عصابات تخطف الأطفال بإبر بنج”. التحقيق اللاحق الذي أجرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية كشف أن التقرير اعتمد على شهاداتٍ غير مؤكدة، لكن الضرر كان قد وقع: هاجمت الجماهير 53 شخصًا بتهمة الخطف، بعضهم كانوا مجرد باعةٍ متجولين.

وتشكل قضايا الشائعات اليوم ما يقارب 40% من إجمالي القضايا الرقمية، مما يعكس حجم التحدي المتزايد الذي تواجهه السلطات في مراقبة وضبط المحتوى الإلكتروني. وتتراوح هذه القضايا بين نشر معلومات مغلوطة وأحيانًا إشاعات متعمدة تسبب أضرارًا اجتماعية واقتصادية خطيرة، كما يتضح من حالات ملموسة، مثل شابة أُدينت بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد نشرها عمدًا إشاعة حول تلوث مياه النيل، مما يسلط الضوء على الإجراءات القانونية الحازمة المتبعة في مواجهة مثل هذه التصرفات.

إلى جانب ذلك، تبرز صعوبة التعامل مع المنصات الرقمية الدولية التي تعد أكبر منصات نشر للمعلومات، حيث تواجه الجهات المعنية تحديات قانونية وتقنية في فرض الرقابة الفورية. فعلى سبيل المثال، عندما طالبت الجهات المختصة منصة “فيسبوك” بحذف فيديو يحتوي على معلومات مضللة حول انهيار سد النهضة، تأخرت المنصة في الاستجابة لمدة 72 ساعة كاملة، وهي فترة كافية لانتشار الفيديو بين خمسة ملايين مستخدم، مما يضاعف من أثر الشائعة ويزيد من صعوبة السيطرة عليها.

(4)

التأثيرات النفسية لهذه العواصف الإعلامية تتجاوز الأزمات المؤقتة، حيث أظهرت دراسة حديثة أن التعرّض المتكرر للشائعات يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ”متلازمة الشك المزمن”، التي تقلل من قدرة الأفراد على التمييز بين الحقيقة والخيال.كما يؤكد استطلاع أجراه المركز المصري للبحوث الاجتماعية عام 2023 هذه النتائج، إذ يعترف 65% من الشباب المصري بعدم تصديقهم للبيانات الرسمية، بسبب تعارضها مع “الرواية البديلة” التي يروج لها ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

أما التداعيات الاجتماعية فهي أكثر حدة وإيلامًا، ففي صعيد مصر تسببت قوائم مزيفة على فيسبوك عن “فتيات متزوجات عرفيًا” في وقوع 11 جريمة شرف عام 2022، وفقًا لتوثيق جمعية حقوق المرأة المصرية.

(5)

لمجابهة هذا التدفق السريع للشائعات والمعلومات المضللة، اعتمدت مصر سلسلة من المبادرات الاستراتيجية التي تستحق الدراسة والتقييم. حيث أسس المركز الإعلامي لمجلس الوزراء نظامًا تحليليًا يوميًا يرصد ويتابع أكثر من 500 شائعة، يقوم من خلاله بفحص هذه الإشاعات بدقة متناهية، ويصدر تصحيحات علمية مدعومة بالأدلة، بهدف القضاء على المعلومات المغلوطة قبل أن تتوسع وتؤثر سلبًا على الرأي العام.إلى جانب ذلك، تم تدشين حملة وطنية بعنوان “إحلال السوشيال ميديا”، والتي تستهدف تدريب آلاف الشباب على استخدام أدوات وتقنيات التحقق من صحة المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يساهم في بناء جيل واعٍ قادر على مواجهة التضليل الرقمي بشكل فعال ومستدام.

في إطار جهود متكاملة وعميقة، انطلقت منصة “شِف” لتشكل جبهة مضيئة في مواجهة ظاهرة الشائعات الدينية التي لا تقتصر أضرارها على التشويش الفكري فحسب، بل تتعداه إلى تأجيج النزاعات المجتمعية وتعميق الانقسامات. هذه المنصة، التي قامت على شراكة بين مؤسسات إعلامية كبرى وجامع الأزهر الشريف، تقدم محتوى توعويًا دقيقًا مستندًا إلى منابع الشرع الأصيلة، وتخوض معركة منهجية علمية ضد الادعاءات المغلوطة المتفشية في فضاء الإنترنت، محاولةً استعادة اللحمة الفكرية والاجتماعية للمجتمع.

إن هذه المبادرات تعكس وعيًا راسخًا بأبعاد الظاهرة الرقمية الجديدة، حيث لا يقتصر التصدي للشائعات على أدوات التقنية فحسب، بل يتطلب بناءً ثقافيًا شاملاً يدمج بين المعرفة العلمية، والحس الأخلاقي، واليقظة الاجتماعية، ليصنع بيئة معلوماتية صحية قادرة على ترسيخ الاستقرار المجتمعي وتعزيز الثقة في المؤسسات الرسمية، تلك التي تشكل الحصن المنيع في وجه الفوضى المعرفية.

وهنا تبرز حكمة رفاعة الطهطاوي التي تقول: “الحقيقة كالنيل.. لا تُردّ بأكف الكاذبين”، لتكون تذكيرًا بأن المعركة ليست مجرد نزاع تقني، بل هي صراع حضاري ينبثق من صميم العقل النقدي، حيث تتصارع القوة الزائفة للشائعات الزائلة مع تيار وعي جماعي عميق، مسلح بالعلم والقيم، قادر على اختراق العتمة وكشف الدجل، محافظًا على توازن المجتمع وهويته في زمن يتلبد فيه الضباب المعلوماتي.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13729

موضوعات ذات صلة

الصحفي الإلكتروني بين المهام المتشابكة

المحرر