سليدرمنوعات

المرأة المصرية: ضمير الوطن وحارسة الهوية

 

تأتي ذكرى السادس عشر من مارس من كل عام، لا لكونها مجرد تاريخ في أجندة المناسبات الوطنية، بل لتمثل وقفة إجلال لـ”أيقونة الصبر والنضال” التي لم تتخلف يوماً عن نداء الواجب، إذ إن الاحتفال بـ“يوم المرأة المصرية” هو استحضار لمشهد مهيب صاغته حنجرة المرأة في ثورة 1919، حين خرجت 300 سيدة بقيادة هدى شعراوي ليعلنّ أن الحرية لا تتجزأ، وأن بناء الأوطان لا يستقيم بجناح واحد. في هذا اليوم، نستذكر بزوغ فجر الحركة النسائية المصرية، وسقوط أول شهيدة للوطن “حميدة خليل”، ليرتبط حق المرأة في الحياة بحق الوطن في الاستقلال، مشكلةً بذلك ملمحاً فريداً للشخصية المصرية التي لا تفرق بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية.

جذور النضال

المتأمل في مسيرة المرأة المصرية عبر العقود يُدرك أنها لم تكن يوماً “عالة” على التحولات السياسية، بل كانت محركاً رئيساً لها، فمنذ نيلها حق الانتخاب والترشح في دستور 1956، وصولاً إلى تصدرها صفوف الاستحقاقات الدستورية الكبرى في العصر الحديث، أثبتت المرأة أنها “الرقم الصعب” في معادلة الاستقرار الوطني؛ فهي التي حافظت على تماسك الجبهة الداخلية في أحلك الظروف، وهي التي تصدت بوعيها الفطري لمحاولات النيل من الهوية المصرية، مما جعلها تستحق عن جدارة لقب “حارسة الوطن” وضميره اليقظ الذي لا يغفو عن مصلحة الأبناء والوطن.

وفي ظل “الجمهورية الجديدة”، انتقل ملف المرأة من مربع “المطالبة بالحقوق” إلى مربع “التمكين الفعلي” كشريك أصيل في التنمية المستدامة، حيث قد وضعت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 إطاراً غير مسبوق، يرتكز على أربعة محاور ذهبية: التمكين السياسي، والتمكين الاقتصادي، والتمكين الاجتماعي، والحماية، فلم يعد التمكين شعاراً براقاً، بل ترجمته أرقام تتحدث عن نفسها؛ حيث وصلت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان إلى مستويات تاريخية (أكثر من 25%)، فضلاً عن اقتحامها منصات القضاء التي ظلت عصية عليها لعقود، مما يبرهن على وجود إرادة سياسية تؤمن بأن قوة مصر تكمن في استثمار طاقات كافة مواطنيها.

تمكين واقتصاد

وعلى الصعيد الاقتصادي، برز دور المرأة كعنصر فاعل في دفع عجلة الإنتاج، خاصة من خلال المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي تدعمها الدولة، حيث إن المبادرات الرئاسية مثل “حياة كريمة” وضعت المرأة الريفية والمعيلة في قلب اهتماماتها، مقدمةً لها فرصاً حقيقية للتدريب والتأهيل التكنولوجي والتمويل؛ إذ إن هذا التوجه نحو “الشمول المالي” للمرأة لا يستهدف فقط تحسين مستوى معيشتها، بل يهدف إلى خلق “اقتصاد رعاية” متوازن، يتيح للمرأة المصرية المواءمة بين دورها الإنتاجي ومسؤوليتها الأسرية، معززةً بذلك ثقافة العمل والاعتماد على الذات في أوساط الأجيال الصاعدة.

حصن التشريع

إلا أن مسيرة التمكين لا تكتمل إلا بـ“مظلة حماية” قانونية واجتماعية تحمي المرأة من كافة أشكال العنف والتمييز. وقد شهدت السنوات الأخيرة تشريعات حاسمة في مجالات حماية المرأة من التحرش، وتغليظ عقوبات ختان الإناث، وضمان حقها في الميراث، فضلاً عن جهود “مكتب شكاوى المرأة” بالمجلس القومي للمرأة الذي بات ملاذاً آمناً لكل من تتعرض لمظلمة، فالدولة المصرية تبعث برسالة واضحة مفادها أن كرامة المرأة هي خط أحمر، وأن أمنها الشخصي في المنزل والشارع وبيئة العمل هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وبالحديث عن التحديات المعاصرة في عام 2026، نجد أن المرأة المصرية لا تزال تواجه معارك فكرية واجتماعية تتطلب تجديد الخطاب الثقافي، فقضية “المساواة في الفرص” لا تعني فقط نصوصاً قانونية، بل تتطلب وعياً مجتمعيًا يرفض الأنماط التقليدية التي تقيد طموح الفتيات، إذ إننا بحاجة إلى ترسيخ مفهوم أن نجاح المرأة هو نجاح للأسرة بأكملها وللمجتمع ككل، مع التركيز على “الاقتصاد الرقمي” كبوابة جديدة تفتح آفاقاً رحبة للمرأة في سوق العمل العالمي من قلب بيتها، مما يقلل من الفوارق الاقتصادية ويحقق التمكين التكنولوجي المنشود.

ولا يمكن أن نغفل الدور التربوي والملهم الذي تلعبه المرأة المصرية في تشكيل وجدان الأمة. إنها المعلمة الأولى التي تغرس قيم الانتماء والتضحية في نفوس الأجيال. وفي ذكرى يومها، نحتفي بكل أم مثالية، وبكل عاملة في مصنع، وبكل باحثة في مختبر، وبكل فلاحة تزرع الأمل في طمي النيل. هؤلاء النساء هنّ “قوة مصر الناعمة” الحقيقية، اللواتي يثبتن يوماً بعد يوم أن الإبداع والتميز لا يعرف جنساً، وأن العزيمة المصرية لا تلين أمام الصعاب.

رؤية المستقبل

إن استشراف المستقبل يؤكد أن المرأة المصرية ستظل “ترمومتر” التقدم في بلادنا، فكلما اتسعت مساحة مشاركتها، كلما اقتربنا من تحقيق أهداف التنمية الشاملة، إذ إننا نتطلع إلى اليوم الذي لا نتحدث فيه عن “كوتا” أو “تمييز إيجابي”، بل نتحدث عن الكفاءة كمعيار وحيد، حيث تتبوأ المرأة المكانة التي تستحقها بفضل جهدها وعلمها، فالاستثمار في عقل المرأة المصرية هو الاستثمار الأكثر ربحاً في بورصة المستقبل، وهو الضمانة الأكيدة لبناء مجتمع ديمقراطي حديث تسوده قيم العدالة والمساواة.

يوم المرأة المصرية هو دعوة لكل رجل مصري ليكون شريكاً وداعماً، وللمجتمع ليكون حاضنة للتميز. إنها رسالة شكر وعرفان لكل سيدة مصرية، من “بنت النيل” التي قادت المسيرات، إلى “سيدة القضاء” التي تعتلي منصة الحق، وصولاً إلى “الأم” التي هي عماد بيتنا الكبير: مصر؛ ليظل السادس عشر من مارس وساماً على صدر الوطن، وشاهداً على أن مصر كانت، وستظل، تنهض وتزدهر بسواعد بناتها المخلصات.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15478

موضوعات ذات صلة

فرصة ذهبية لبيراميدز في سباق اللقب

محمد عطا

مصر والرهان على الشباب: دلالات صناعة قيادة عربية جديدة

أيمن مصطفى

“الأفيال” تعبر بوركينا فاسو لملاقاة “الفراعنة”

أيمن مصطفى

محمد الشافعي: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في أدب المقاومة

المحرر

مخطط تسويقي ترويجي لدير مارمينا بالإسكندرية

المحرر

وعي المستهلك.. لجام الغلاء

أيمن مصطفى