
تحت أضواء ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، وفي ليلةٍ امتزج فيها صخب المدرجات بهيبة الموقف، سطر المنتخب المغربي فصلاً جديداً من فصول المجد القاري، بانتزاعه بطاقة العبور لنهائي كأس الأمم الإفريقية 2025، حيث لم يكن الفوز على “نسور نيجيريا” مجرد عبورٍ عادي، بل كان مخاضاً عسيراً انتهى بابتسامة القدر للمغاربة عبر ركلات الترجيح (4-2)، بعد صراع تكتيكي مرير امتد لـ120 دقيقة حبست أنفاس القارة السمراء.
أحداث المباراة
انطلقت المباراة وصافرات الاستهلال لم تكن إلا إيذاناً ببدء “شطرنج كروي” رفيع المستوى؛ حيث اصطدم الطموح المغربي المسلح بالأرض والجمهور، بالصلابة النيجيرية المعهودة. ومنذ الدقائق الأولى، فرض “أسود الأطلس” إيقاعهم من خلال الاستحواذ على الكرة وتدويرها في وسط الميدان، محاولين فك شفرات الدفاع النيجيري المتكتل؛ إلا أن هذا الاستحواذ ظل اصطداماً بجدارٍ من الحذر، حيث طغت الصرامة التكتيكية للمدربين على النزعة الهجومية، مما جعل الشوط الأول ينقضي في محاولات لجس النبض وفرض السيطرة دون هز الشباك.
ومع مطلع الشوط الثاني، ارتفعت حدة التوتر وزاد زخم الهجمات؛ إذ لم يعد الحذر كافياً لحسم مصير بلد في عرسها الكروي، فقد حاول إبراهيم دياز بمهاراته الفردية اختراق الحصون الخضراء، وكاد يوسف النصيري أن يقلب الطاولة برأسيةٍ مرت بمحاذاة القائم، لكن المنظومة النيجيرية ظلت صامدة، معتمدةً على المرتدات السريعة التي شكلت تهديداً صامتاً. هذا الصمود الدفاعي المتبادل جرّ اللقاء إلى الأشواط الإضافية، حيث استنزفت القوى البدنية وبقي التركيز الذهني هو الفيصل، لتظل الشباك عذراء رغم المحاولات المستميتة، ويحتكم الطرفان لـ”مقصلة” ركلات الترجيح.
ولم يكن هذا الصمود المغربي وليد الصدفة، بل عكس نضجاً تكتيكياً وقدرة فائقة على تسيير الدقائق الحرجة؛ فقد أظهرت كتيبة وليد الركراكي انضباطاً دفاعياً حديدياً شلّ حركة أخطر المهاجمين في القارة، وعلى رأسهم فيكتور أوسيمين الذي وجد نفسه معزولاً وسط كماشة من المدافعين، حيث إن هذا التفوق في القراءات الفنية جعل من المنتخب المغربي فريقاً “عصياً على الكسر”، قادراً على امتصاص حماس الخصوم وتحويل ضغط المباراة إلى طاقة إيجابية يستمدها من زئير الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف طوال مائة وعشرين دقيقة.
وتجلت شخصية “البطل” في القفاز الذهبي ياسين بونو، فبينما كان اللاعبون المغاربة (العيناوي، بن صغير، حكيمي، والنصيري) يوقعون على ركلاتهم بدقة الجراحين، انتصب بونو سداً منيعاً أمام طموحات النيجيريين، متصدياً لركلتي جزاء ببراعةٍ أعادت للأذهان ذكريات المونديال، ومانحاً المغرب تأهلاً تاريخياً طال انتظاره منذ عقدين.
إن هذا العبور إلى المشهد الختامي يمثل أكثر من مجرد فوز في مباراة لكرة القدم؛ فهو إعلان صريح عن عودة الهيمنة المغربية على الساحة الإفريقية وتجسيد لمشروع كروي متكامل بدأ يقطف ثماره اليانعة، فبعد عقود من الغياب عن منصات التتويج، يقف الأسود اليوم على بعد خطوة واحدة من ملامسة الذهب، محملين بآمال جيل كامل يحلم برؤية القائد حكيمي يرفع الكأس في قلب الرباط، ليكتمل بذلك المشهد الأسطوري الذي بدأ منذ ملحمة قطر 2022.
بهذا الفوز الملحمي، يطوي المنتخب المغربي صفحة نصف النهائي، ليوجه بوصلته نحو المباراة النهائية أمام “أسود التيرانجا” السنغالية، إذ إنه نهائي الحلم الذي يجمع قطبي الكرة الإفريقية حالياً، حيث يدخل رفاق حكيمي الموقعة الختامية وعينهم على معانقة الكأس الغالية لثاني مرة في التاريخ، متسلحين بروح الرباط وعزيمة الأسود التي لا تلين.
