اقتصاد وأعمال

خبير لـ”صوت البلد”: شبح التضخم يُهدد منطقة اليورو

د. عمرو يوسف

بين طيات الأرقام المستقرة، تلوح في أفق القارة العجوز سحبٌ رمادية؛ هكذا يمكن تلخيص الرسالة الأخيرة الصادرة عن أروقة البنك المركزي الأوروبي؛ فبينما تحاول الأسواق التقاط أنفاسها، جاءت تصريحات عضو مجلس الإدارة، “ديميتار راديف”، لتُعيد قرع أجراس الإنذار، محذرةً من سيناريوهات سلبية قد تعصف باستقرار الأسعار وتضع منطقة اليورو أمام اختبارٍ قاسم بين مطرقة التضخم وسندان الركود.

وتتجلى ملامح المشهد الاقتصادي في منطقة اليورو لعام 2026 عبر هذه التصريحات التي مثلت حجراً ثقيلاً أُلقي في مياه الأسواق الراكدة؛ إذ لم تكن هذه التحذيرات مجرد قراءة اقتصادية عابرة، بل جاءت انعكاساً دقيقاً لواقع جيوسياسي واقتصادي معقد، يضع البنك المركزي الأوروبي في واحدة من أصعب مواجهاته الهيكلية منذ أزمة الديون السيادية؛ فبينما تشير الأرقام الرسمية ظاهرياً إلى اقتراب التضخم من المستهدفات البالغة 2، إلا أن السيناريوهات التي طرحها “راديف” تكشف أن هذا الاستقرار ليس سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها اضطرابات عميقة في بنية الاقتصاد الكلي.

معضلة “التضخم العنيد”

وتبرز معضلة “التضخم العنيد” كأحد أخطر هذه التحديات؛ فبالرغم من سياسات التشدد النقدي الصارمة، لا يزال تضخم قطاع الخدمات يراوح مكانه عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 3.5% و3.8%. ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى نمو الأجور في القوى الاقتصادية الكبرى، مثل ألمانيا وفرنسا، بمعدلات تتجاوز نمو الإنتاجية؛ مما يخلق حلقة مفرغة بين الأجور والأسعار تهدد بالانفلات عند حدوث أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية.

وفي هذا الصدد، يؤكد د. عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية المساعد بأكاديمية الإسكندرية للإدراة والمحاسبة، والخبير في الشؤون الاقتصادية،، أن استمرار هذه الدائرة المفرغة يجعل من “سلاح الفائدة” وحده أداة غير كافية، محذراً من أن “التضخم المستورد” الناتج عن أزمات الطاقة العالمية سيظل سيفاً مصلتاً على رقاب الاقتصادات الأوروبية ما لم يتم ضبط إيقاع الإنتاجية بما يتناسب مع زيادات الأجور.

شبح الركود

ويُضيف د. عمرو يوسف: “بالتوازي مع ضغوط الأسعار، يبرز شبح الركود الصناعي كسيناريو سلبي يجسد حالة “رجل أوروبا المريض”؛ حيث تشير مؤشرات مديري المشتريات (PMI) في منطقة اليورو إلى قراءات دون مستوى 48 نقطة، مما يؤكد دخول النشاط الصناعي مرحلة الانكماش تحت وطأة أسعار الفائدة التي استقرت لفترة طويلة فوق مستوى 4%”، موضحاً أن هذا التراجع يضع الدول المحورية كألمانيا وفرنسا أمام احتمالات واقعية لركود تقني نتيجة فجوات الميزانية وتراجع الطلب الخارجي. لافتاً في الوقت ذاته إلى أن رسائل “راديف”؛ قد تضمنت تحذيراً مبطناً للحكومات بضرورة التنسيق المالي؛ إذ لا يمكن للسياسة النقدية محاربة التضخم وحيدة في ظل سياسات مالية توسعية تزيد من أعباء الديون، خاصة في دول الجنوب التي تجاوزت ديونها 110% من ناتجها المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن الإصرار على سياسة “الفائدة المرتفعة لفترة أطول” قد يؤدي إلى عودة فوارق العائد بين السندات السيادية، مما يهدد وحدة العملة الموحدة ويضع صانع القرار في مواجهة “مقامرة” حقيقية بين حماية النمو والحفاظ على استقرار العملة.

وأوضح “يوسف”، أنه في خضم هذه المعضلة، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الابتكار التكنولوجي على تعويض أثر الفائدة المرتفعة؛ فمن الناحية النظرية، يمكن للأتمتة والذكاء الاصطناعي الصناعي رفع الإنتاجية وخفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 15%، وهو ما قد يعادل تكاليف الاقتراض المرتفعة. لافتاً إلى أنه مع كل ذلك، فقد تصطدم هذه الطموحات بواقع جفاف “رأس المال المغامر” الذي بات يميل نحو السندات الحكومية الآمنة ذات العائد المرتفع، بدلاً من المخاطرة في مختبرات الابتكار.

كما يعاني جزءٌ كبير من الصناعة التقليدية الأوروبية “إدماناً تاريخياً” على المال الرخيص والطاقة الزهيدة؛ مما أدى إلى ظهور “شركات الزومبي” التي تشكل نحو 10% إلى 12% من السوق. وهي شركات تفتقر إلى السيولة اللازمة للبحث والتطوير، وتعتمد كلياً في بقائها على إعادة الاقتراض بفوائد منخفضة، مما يجعلها أول ضحايا السياسة النقدية المتشددة.

عصر المال الرخيص

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الأرقام لعام 2026 تُشير إلى وجود فجوة استثمارية تقدر بـ500 مليار يورو سنوياً لتحقيق التحول الرقمي والأخضر، وهي تكلفة تبدو باهظة في ظل معدلات الفائدة الحالية؛ إذ إن رسائل المركزي الأوروبي، متمثلة في تصريحات “راديف”، تهدف في جوهرها إلى إدارة توقعات الأسواق وكبح التفاؤل المفرط بشأن خفض سريع للفائدة، حيث تبقى منطقة اليورو اليوم في “منطقة رمادية”؛ إذ إن النمو هش والتضخم كامن، مما يجعل “الهبوط الناعم” معادلة حسابية صعبة التنفيذ، تتطلب ثورة في “اتحاد أسواق رأس المال” لتحويل الابتكار من حبيس المختبرات إلى محرك حقيقي للنمو، بعيداً عن الاعتماد الكلي على وقود “المال الرخيص” الذي يبدو أنه ولّى دون رجعة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=16430

موضوعات ذات صلة

القليوبية : حصاد البرتقال يحقق أرباحًا قياسية

عمر عزوز

حالة من الغضب تجتاح الشارع المصري بعض، اقتراح الحكومة رفع الدعم عن رغيف الخبز، وتحويله إلى دعم نقدى، وكما فسره البعض أنها كارثة، وكيف يتعامل 70 مليون مواطن، بعد تحويل قوت يومهم إلى أموال، وتمكينهم من اختيار السلع التي تناسب احتياجاتهم الفردية، فلا تغنى هذه السلع ولا تثمن من جوع، ولا تحل مكان رغيف الخبز، فسرت الحكومة ذلك المقترح أنه يهدف إلى الحد من إهدار الموارد وضمان وصول الدعم للمستفيدين الفعليين، وقدرت قيمة الدعم لكل فرد 175 جنيه شهرياً للسلع والخبز، حيث أكدت الحكومة أن تكلفة إنتاج رغيف الخبز تبلغ نحو 25. 1، ويحصل المواطن عليه بسعر 20 قرش وتتحمل الدولة الفارق، وذلك يرفع ميزانية الدولة إلى 45 مليار جنيه سنوياً، ويحصل كل فرد على 5 أرغفة في اليوم، و 150 رغيف فى الشهر، وبعد تنفيذ اقتراح رفع الدعم سوف يتحمل المواطن سعر الرغيف ويصبح 55. 1، وتدفع الأسرة التى تتكون من 4 أفراد نحو 930 جنيه شهرياً. أكد وزير التموين شريف فاروق لـ (صوت البلد) أن رفع سعر الخبز ليس ضمن مطالب أو شروط صندوق النقد الدولي كما يتصور البعض، و أن تحويل رغيف الخبز من عيني إلي نقدي، جاء بسبب الظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة والتحديات الذي يشهدها العالم، للحفاظ على استقرار البلاد وتأمين السلع التموينية والخبز، وتقليل الهدر في هذه السلع، ومنح المستحقين بناء على معايير محددة، لذلك اتجهت الحكومة إلى تغيير جذري في نظام دعم الخبز دون التأثير سلباً على الفئات المستحقة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ومواكبة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، والوصول إلى توفير دعم مرن لنجاح التجربة، وتجنب أخطاء مخالفات في توزيع الدعم. أفاد وزير التموين، أن تنفيذ رفع الدعم عن الخبز، بمثابة كارثة للمواطن المصري، لأن الأسعار في إرتفاع دائم، وذلك يتسبب في ضعف ميزانية المواطن وقد يتخلي عن اللحوم وبعض السلع ولكن لا يستطيع التخلي عن رغيف الخبز، لأنه أصبح ثقلاً بعد إرتفاع أسعار الخبز السياحي، وقد استمر دعم رغيف الخبز على مدار 36 عاماً ب 5 قروش، والدعم الذي توجهه الدولة للمواطن يتعدى 636 مليار جنيه، والدعم السلعي والخبز يتخطى 135 مليار جنيه، ورغم الأزمات الاقتصادية المتكررة، مؤكداً أن تنفيذ هذا القرار سوف يساهم في تقليل الهدر والسيطرة على الفساد في الدعم النقدي والعيني، وعدم التلاعب بالدقيق وبيعه في السوق السوداء، واستغلال بطاقات التموين، ومواجهة أشكال الفساد، واستيراد القمح عن طريق الوزارة والقطاع الخاص فقط.

المحرر

حلول لأزمة استيراد السيارات المعفاة من الجمارك

المحرر

لومبيرغ: الحرب على إيران تتحول إلى صراع نفطي

المحرر

الاقتصاد غير الرسمي .. ضياع للعمالة وعرقلة للتنمية

المحرر

رئيس الهيئة العامة للطرق يكشف تفاصيل كوبري خور مايو

المحرر