البلد خانةسليدر

درس «العامرية».. ما وراء الإقالة

حين تصطدم هيبة الدولة بفوضى الشارع، تسقط الأقنعة وتنكشف العورات الإدارية التي حُجبت طويلاً خلف المكاتب المغلقة؛ فلم تكن واقعة إقالة رئيس حي العامرية أول بالإسكندرية مجرد قرار إداري بتبديل الوجوه، بل صرخة في وجه الترهل الذي استوطن الأحياء، لإعادة الهيبة المفقودة للميدان وفرض الرقابة الحقيقية على أرض الواقع.

جاء قرار إقالة رئيس حي العامرية أول بالإسكندرية ليعلن سقوط سياسة «التقارير الوردية» التي تُرفع من المكاتب المكيفة أمام واقع شارع «الجمهورية»؛ حيث تحولت الدقائق الفاصلة من جولة روتينية إلى اصطدام مباشر بجدار العشوائية التي استوطنت أطراف الثغر، كاشفة عن فجوة عميقة بين معاناة المواطن وأوهام المسؤول، وهي الفجوة التي استوجبت «البتر» بعدما استعصى عليها الترميم.

الحسم الميداني

يختزل المشهد في العامرية أزمة الإدارة المحلية في مصر؛ حيث تحولت الشوارع الحيوية إلى «إقطاعيات» لغول الإشغالات، وتوارت هيبة الدولة خلف تلال البضائع وعشوائية التخطيط، حيث يضعنا قرار الإقالة الفورية أمام تساؤل مرير: لماذا ننتظر دائماً «صدمة المحافظ» لنكتشف غياب الرقابة أو التغافل عن الفوضى؟  إذ إن هذا النمط من الإدارة «بالأزمات» يكرس لمفهوم خطير؛ وهو أن الانضباط لا يتحقق إلا بوجود رأس الهرم في الشارع، بينما الأصل أن تكون المنظومة المحلية هي الحارس اليومي على حقوق المارة.

لا يكمن العمق الحقيقي لهذه الأزمة في «فشل» مسؤول فحسب، بل في «ثقافة التقاعس» التي تغلغلت في مفاصل الأحياء؛ فالعشوائية التي ابتلعت شارع الجمهورية لم تتشكل في ليلة وضحاها، بل هي نتاج تراكمي من التغاضي الذي قد يرقى أحياناً إلى شبهات التواطؤ أو «العجز المهين»؛ فخروج المحافظ بنفسه ليكتشف حجم الكارثة يمثل إدانة صريحة لكل دوائر المتابعة التي لم تنقل الصورة الحقيقية، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لا تكتفي بقطع الرؤوس، بل تقتلع جذور البيروقراطية التي تحمي المقصرين.

تكتسب العامرية أهمية استراتيجية كبوابة غربية للإسكندرية وظهيرها الشعبي بامتياز؛ ما يجعل فاتورة «الإهمال» فيها مضاعفة؛ حيث تتحول الفوضى المرورية والاشتباكات اليومية إلى بيئة خصبة للتوتر الاجتماعي. لذا، وجب أن تكون الإقالة «مقدمة» لا «خاتمة»؛ بداية لخطة تطهير شاملة تعيد للشارع وقاره، بعيداً عن «الشو الإعلامي» أو محاولات امتصاص غضب اللحظة؛ فالمواطن السكندري الذي مَلَّ المسكنات، بات ينتظر حلولاً جذرية تبدأ ببدائل حضارية للباعة، وتنتهي بعقوبات رادعة لكل من يستبيح الطريق العام.

الرسالة المنطلقة من العامرية يجب أن تضرب بقوة في كافة أحياء الثغر، من المنتزه شرقاً إلى العجمي غرباً، لانتشال الإسكندرية من «ترهل إداري» حوّل الرصيف إلى ملكية خاصة ونهر الطريق إلى غابة من «التكاتك»؛ إذ إن المحاسبة الميدانية هي السلاح الوحيد لكسر غرور مسؤولين ظنوا أن كراسيهم حصينة؛ لكن الحذر من تحول هذه الإقالات إلى «ظاهرة صوتية» تفتقر للاستدامة، فالشارع يحتاج إلى «نفس طويل» في الرقابة لا يتوقف بانصراف موكب المحافظ.

يفتح هذا «الزلزال الإداري» ملف معايير اختيار رؤساء الأحياء؛ فهل الكفاءة والمواجهة الميدانية هي الفيصل، أم سد خانات في هيكل متهالك؟ إننا بحاجة إلى «مقاتلين ميدانيين» يدركون أن وظيفتهم تبدأ من رصيف الشارع لا من خلف الأبواب المغلقة، حيث إن «دراما الإقالة» في حي العامرية أول يجب أن تُمثل نقطة تحول تعلن نهاية عصر «المسؤول الموظف» وبزوغ فجر «المسؤول الميداني».

في هذا المشهد، يبرز الوعي المجتمعي كشريك أصيل؛ فالمواطن الرافض للفوضى هو الظهير الحقيقي لكل قرار حازم. لكن، كيف نطالب المواطن بالالتزام في ظل غياب المسؤول المحلي عن المشهد؟ إن قرار المحافظ هو «قبلة حياة» للأمل في استعادة الانضباط، شريطة أن يتبعه هيكلة حقيقية لأجهزة المتابعة وضخ دماء جديدة تملك الرؤية والجرأة، بعيداً عن حسابات المصالح الضيقة.

ويظل «درس العامرية» الاختبار الحقيقي لإرادة التغيير في عروس المتوسط؛ فإقالة المسؤول هي الخطوة الأسهل، أما الأصعب فهو بناء منظومة تمنع تكرار الكارثة؛ إذ إن شارع الجمهورية اليوم ينتظر البديل الذي يحترم آدمية المواطن ويفرض هيبة القانون بلا استثناء؛ فهل تكون هذه الواقعة شرارة لثورة إدارية شاملة، أم مجرد صرخة في وادٍ سحيق من البيروقراطية؟ الإجابة ستكتبها الأيام القادمة، ليس بمداد الأقلام، بل بمدى سيولة ونظافة شوارع الثغر.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15174

موضوعات ذات صلة

طعنات الرفاق.. خيانة الصديق وإفلاس الثقة

أيمن مصطفى

ميادة علي كلاي.. دراما الهشاشة والصمود

حسن عبدالعال

أسيوط : بدأ امتحانات تعليم الكبار ومحو الأمية

أحمد الفاروقى

مزارعون يشتكون من انخفاض أسعار الطماطم

المحرر

طلعت زكريا.. ذكري ميلاد فنان صانع للكوميديا

الأزهر يحقق إنجازًا كاملًا بالاستراتيجية السكانية

محمود على