سليدرمنوعات

رمضان.. مَرافئُ السكينة وتجليات العبور الروحي

في خضم صخب الحياة، يتجلى رمضان كمرفأٍ آمنٍ تُلقي فيه الأرواح مرساها؛ إذ يتجاوز الصيام كونه إمساكاً مجرداً، ليغدو رحلة عبورٍ روحي تسترد بها الذات توازنها المفقود. ومع بزوغ فجر اليوم الأول، نرصد تجليات السكينة حين يصبح الشهر الفضيل ميزاناً حقيقياً للنفوس، ومنطلقاً جوهرياً لميلادٍ إنساني جديد.

تنسكبُ أنوار الفجر الأول من رمضان كشلالٍ من السكينة، يُعيد تشكيل ملامح القاهرة التي لا تنام؛ فتكتسي الشوارع بوقارٍ مفاجئ، وتتحول ضوضاء المدينة إلى ترتيلة صامتة تسبح في ملكوت الله؛ فاليوم، ونحن نطوي صفحة شعبان لنفتح سفر رمضان، نجد أنفسنا أمام لحظة استثنائية من “العبور الروحي”، حيث ينسحب المادي أمام المعنوي، ويتوارى الضجيج ليمنح الصدر فرصة لالتقاط أنفاسه المفقودة وسط ركام الأيام.

لقد ظل الصيام عبر التاريخ بوابةً للعروج بـ”الأنا” نحو آفاق أرحب؛ فهو التدريب الأقسى والأجمل على “الحرية” في أسمى معانيها؛ فقدرة الإنسان على لجام غريزته وتأجيل نداء جسده هي إعلان صريح عن سيادة الروح. ففي فجرنا هذا، ندرك أن الجوع لم يكن يوماً هو الغاية، إنما هو الوسيلة لترقيق حواشي النفس، وجعلها أكثر استجابةً لنداءات الاستغاثة الصامتة التي يطلقها الضعفاء في دروب الحياة؛ فالصيام بهذا المعنى هو استردادٌ لـ”آدميتنا” التي تآكلت بفعل المادية المفرطة، وهو وقفة مراجعة شاملة لدفاترنا الإنسانية التي تراكم عليها غبار الغفلة.

عظمة رمضان

تتجلى عظمة رمضان في كونه “ثورة بيضاء” على العادات؛ فالمجتمع الذي يتحرك وفق إيقاع استهلاكي محموم، يجد نفسه فجأة محكوماً بساعة كونية إلهية، توحد الصفوف، وتساوي بين القصور والأكواخ خلف مائدة واحدة، وفي توقيت واحد؛ حيث إن هذا الالتزام الجماعي يمثل قمة الرقي الحضاري؛ إذ يبرهن على أن هذه الأمة لا تزال تمتلك زمام أمرها، وأنها قادرة على التغيير الجذري متى ما وجدت القبلة الصحيحة.

البيئة المصرية، بخصوصيتها الفريدة، تُضفي على رمضان نكهة لا تضاهى؛ فبين فوانيس الحارة التي تضيء دروب الذكريات، وبين صوت “المسحراتي” الذي يوقظ فينا حنين الانتماء، تتشكل لوحة فنية يعزفها الشعب المصري ببراعة. لكننا اليوم، نود أن نتجاوز المظاهر لنصل إلى “الجوهر”؛ فالصيام الذي لا يثمر أدباً في التعامل، وسخاءً في العطاء، وجديةً في العمل، يظل منقوصاً، حيث إن رمضان الحقيقي هو الذي يترك أثره في “الأخلاق” قبل أن يترك أثره في “الأجساد”.

ومع اكتمال ضياء شمس أول أيام هذا الشهر المبارك، نسأل الله أن يبارك لجموع المصريين في صيامهم، وأن يجعل من هذا رمضان فاتحة خير لمصرنا الغالية. إنها دعوة للتأمل، للحب، للتجاوز، وللبناء. فليكن رمضاننا هذا عامراً بالإنجاز، زاخراً بالبركات، طافحاً بالبشر والسرور؛ فالوجدان المسلم في حضرة رمضان يمر بحالة من “الاستنارة الفطرية”؛ حيث تنزاح غلالات الرتابة عن البصيرة، ليجد المرء نفسه في مواجهة مباشرة مع حقيقته الكامنة؛ فالصيام في جوهره هو “انعتاق” من أسر المادة، ورحلة بحث مضنية عن تلك اللمسة الإلهية التي أودعها الله في طيننا؛ فحين يصمت ضجيج الحواس، تبدأ الروح في استعادة صوتها المبحوح، فترمم ما تهدم من صوامع اليقين، وتُعيد رتق ما تمزق من أستار السكينة.

وفي أول أيام الشهر الفضيل، تتجلى قيمة “الانتظار المقدس”؛ فالمؤمن لا ينتظر غياب الشمس ليشبع جسده، إنما يرتقب لحظة “اللقاء” التي تتجدد مع كل سجدة، ومع كل دمعة تفرّ من محبسها خضوعاً وإجلالاً؛ فهذا الجانب الوجداني هو الذي يجعل من المشقة لذة، ومن العطش رياً للقلب الصادي؛ إذ إننا نختبر في رمضان معنى “الغنى بالاستغناء”؛ لنكتشف أن السعادة الحقيقية تكمن في القدرة على ترك ما نهوى لمن هو أبقى، وأن الانكسار على أعتاب الخالق هو منتهى العزة والشموخ.

وعلى مائدة الوجدان، تبرز “الخلوة مع الذات” كأسمى ثمار الصيام. ففي زحام الحياة، ننسى أن نتحاور مع أرواحنا، لكن رمضان يمنحنا هذا الفضاء الرحب لنمارس “المكاشفة” ونراجع عثراتنا، لنضمد جراحنا الخفية، ونتصالح مع ذواتنا ومع الآخرين؛ فالصيام بهذا المنطق هو “تطهير عِرقي” للمشاعر السلبية؛ فالحقد والضغينة والجفاء لا تجد لها مكاناً في قلبٍ مشغوفٍ بحب الله، إذ إنها حالة من “التسامي الإنساني” التي تجعل الصائم يرى الجمال في كل شيء، ويستشعر الرحمة في كل تفصيلة من تفاصيل يومه.

يمثل رمضان للمسلم حالة من “التوقيت النفسي” الذي ينضبط على إيقاع الأبدية؛ فالمؤمن يدرك أن كل لحظة في هذا الشهر هي فرصة لا تتكرر، مما يولد لديه نوعاً من “اليقظة الوجدانية”؛ فلا تمر الخواطر عابرة، بل تستقر كبذورٍ في أرضٍ صالحة، تُنبت ثماراً من الحكمة والصبر والرضا؛ فعظمة هذا الشهر تتبدى في قدرته الفائقة على تحويل “العادة” إلى “عبادة”، و”الحاجة” إلى “قربة”، ليصبح اليوم الرمضاني كله، من فجره إلى غبشه، قصيدة حب مكتوبة بمدادِ الإخلاص؛ إذ إننا، ونحن نخوض غمار هذا الشهر، لا نعدّ الأيام، بل نعدّ الحسنات ونرصد تجليات اللطف في حيواتنا؛ فالوجدان المصري تحديداً، بما يحمله من مخزونٍ إيمانيٍ عتيق، يضفي على هذه المشاعر لوناً من “البهجة الصوفية”؛ حيث تمتزج رائحة البخور في المساجد بعبق التكافل في الطرقات، لترسم لوحة وطنٍ صائمٍ ينبض قلبه بالحب والمواساة.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14182

موضوعات ذات صلة

مأوى الصيادين” بالقباري: من العشوائية إلى الحياة الكريمة

أيمن مصطفى

نائب رئيس جامعة سوهاج: زراعة أكثر من 6 آلاف شجرة مثمرة

المحرر

حائط الذكريات يشرق في أرض اليابان

المحرر

د. أنور حلمي: الروبوت الجراحي طفرة طبية هائلة

المحرر

انعقاد المؤتمر العلمي … “نيقيةإيمان حي ” 

حازم رفعت

تدريب بجامعة أسيوط حول جودة الاختبارات الإلكترونية

أحمد الفاروقى