
لم يكن ظهور الفنانة عبلة كامل في إعلان لإحدى شركات الاتصالات مع أول أيام شهر رمضان حدثا عابرا يمكن وضعه في خانة الدعاية الموسمية المعتادة. ففي بلد تتزاحم فيه الإعلانات الرمضانية، وتتنافس الشركات الكبرى على استقطاب النجوم، بدا حضورها مختلفا، أقرب إلى لحظة وجدانية جماعية منه إلى مجرد مادة ترويجية.
ثماني سنوات تقريبا مرت على غياب عبلة كامل عن الشاشة منذ مشاركتها في الجزء الأخير من مسلسل سلسال الدم، وخلال تلك الفترة لم يتوقف المنتجون عن طرق بابها، لكن الإجابة كانت دائما الاعتذار الحاسم. لم تعلن اعتزالها صراحة، لكنها مارسته فعليا بصمت كامل، رافضة الظهور الإعلامي أو الانخراط في سباق الأعمال الدرامية، ومبتعدة عن منطق الاستهلاك الفني السريع.
لذلك، عندما أطلت في إعلان فودافون إلى جانب الفنانتين منة شلبي وياسمين عبدالعزيز، لم يتعامل الجمهور مع المشهد باعتباره لقطة عابرة، بل كعودة رمزية لوجه ارتبط بالصدق والبساطة وملامح الشخصية المصرية الأصيلة. خلال أقل من 24 ساعة، تحول الإعلان إلى “ترند”، متفوقا على زخم المسلسلات المعروضة في الموسم ذاته.
صورة وقيمة
الاحتفاء لم يكن فقط بفنانة غابت طويلا، بل بإنسانة حافظت على صورتها نقية. لم تتاجر بغيابها، ولم تدخل في جدل ديني أو إعلامي حول الفن، ولم تستخدم الاختفاء كوسيلة للضغط أو رفع الأجر. حتى عندما ظهرت صوتيا في مداخلة مع الإعلامية لميس الحديدي عبر قناة قناة النهار للحديث عن شائعات مرضها وعلاجها على نفقة الدولة، بدت كما عهدها الجمهور: صادقة، متواضعة، واضحة في نفيها، وممتنة لكل من حاول مساعدتها دون أن تهاجم أحدا أو تزايد على أحد.
سر نجاح الإعلان لم يكن في فكرته البصرية أو موسيقاه، بل في “القيمة” التي حملها اسم عبلة كامل. فهي فنانة بنت رصيدها عبر أدوار من لحم ودم، شخصيات واقعية خرجت من قلب الشارع المصري، جمعت بين الجدية والكوميديا ذات المغزى، وقدمت أعمالا ناقشت قضايا اجتماعية تمس كل بيت.
حتى بعض الفنانات، مثل وفاء عامر، حرصن على الترحيب بها علنا، في تعبير واضح عن تقدير الوسط الفني قبل الجمهور. وكأن ظهورها القصير أعاد ترتيب معايير النجومية، وذكّر بأن القيمة الفنية لا تُقاس بعدد الأعمال ولا بضخامة الأجور، بل بعمق الأثر.
وجدان الناس
لكن ما هو أبعد من الإعلان ذاته، أن عبلة كامل كشفت – من دون قصد – حجم الفراغ الكيفي الذي تركه غيابها. فبينما تتكاثر المسلسلات وتتنوع الوجوه، يظل حضورها معيارا للمقارنة. بعض النقاد ذهبوا إلى أن الإعلان سيُذكر باسمها قبل اسم الشركة، فيصبح “إعلان عبلة كامل” لا إعلان فودافون، دليلا على أن الجاذبية الحقيقية تصنعها الموهبة المتجذرة في وجدان الناس.
يتجاوز ظهورها حدود الدعاية وذكاء التخطيط التسويقي، ليصل إلى مساحة أعمق: الحنين إلى فن نظيف، صادق، يحمل رسالة من دون افتعال. وكأن الجمهور، وسط صخب الإنتاج وكثافته، كان ينتظر إشارة تعيد إليه الثقة بأن الفن يمكن أن يكون بسيطا ومؤثرا في آن واحد.
الرسالة الأوضح من هذه الإطلالة القصيرة أن القيمة الفنية لا تموت، وأن البصمة الإنسانية، إذا صدقت، تبقى حيّة مهما طال الغياب. وربما كان هذا الإعلان مجرد ومضة، لكنه فتح باب الأمل أمام عودة محتملة لفنانة لم تغب عن القلوب، حتى حين غابت عن الشاشة.
