سليدرشؤون سياسية

عفو رئاسي.. سيادة إنسانية

يتقاطع الاحتفاء بذكرى الخامس والعشرين من يناير مع مشهد إنساني وقانوني، يتجسد في تنفيذ قرار العفو الرئاسي رقم (13) عن 2520 نزيلاً؛ إذ إن هذا الربط بين عيد الشرطة وقرار الإفراج يعكس فلسفة الدولة في إدارة ملف الأمن والعدالة؛ حيث تبرز القدرة على العفو كدليل قوة واستقرار، وتتحول المناسبة الوطنية إلى منصة لانطلاق بدايات جديدة لأبناء الوطن ممن استوفوا شروط الإصلاح والتأهيل.

فلسفة التأهيل

يٌمثل خروج هذا العدد الكبير من النزلاء اليوم ثمرة ناضجة لمنظومة مراكز التأهيل والإصلاح الحديثة التي حلت محل السجون التقليدية فالسياسة العقابية أصبحت ترتكز على استعادة العنصر البشري وتدريبه مهنياً ونفسياً ليصبح قوة فاعلة في المجتمع؛ فهذا التحول يضمن تقليص نسب العودة للجريمة، ويجعل من قرار العفو استثماراً في رأس المال البشري يخدم أهداف التنمية الشاملة التي تنشدها الجمهورية الجديدة.

تستند قرارات العفو المتتالية إلى قاعدة صلبة من الأمن الاستباقي والرقمنة المعلوماتية التي تضمن دقة فحص ملفات المفرج عنهم؛ فنجاح أجهزة وزارة الداخلية في ضبط الإيقاع الأمني واستخدام التكنولوجيا في مراقبة الجريمة، قد منح الدولة الثقة الكاملة في توسيع نطاق الإفراجات دون المساس بسلامة المجتمع؛ فالأمن اليوم أصبح منظومة ذكية تحمي الحقوق والحريات بقدر ما تفرض هيبة القانون وسلطته.

ويُؤكد تنفيذ قرار العفو اليوم التزام مصر الصارم بمخرجات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والحوار الوطني المستمر، فالدولة في 2026 تتبنى نهجاً حقوقياً يقوم على الشفافية والمصالحة مع الذات، معتبرة أن كرامة المواطن وحريته المنضبطة هي حجر الزاوية في بناء الدولة الديمقراطية، فهذا المسار يغلق الطريق أمام المزايدات الدولية، ويضع التجربة المصرية في الصدارة كنموذج يوازن بين مقتضيات الأمن القومي والمعايير الإنسانية العالمية.

أثر اجتماعي

تُحقق قرارات العفو الرئاسي في المناسبات الوطنية أثراً اجتماعياً عميقاً عبر تعزيز روح التسامح والولاء؛ إذ إن عودة آلاف المفرج عنهم إلى أسرهم في هذا التوقيت تساهم في تبريد التوترات الاجتماعية وتقوية النسيج الوطني ضد محاولات التحريض أو التفرقة؛ فهذا التلاحم بين القيادة والشعب يرسخ مفهوم “الدولة الحاضنة” التي تفتح أبواب التوبة والعمل لمن أخطأ ثم أصاب في تقويم سلوكه وفقاً لضوابط القانون.

يرتبط الأمن ارتباطاً جذرياً بحماية المقدرات الاقتصادية وجذب الاستثمارات التي تتطلب بيئة مستقرة وقانوناً مرناً، حيث إن دمج المفرج عنهم في سوق العمل بعد تأهيلهم يقلل من الكلفة الاقتصادية لإدارة المؤسسات العقابية ويحولها إلى طاقات إنتاجية ترفد الاقتصاد الوطني، فالاستقرار الذي نشهده اليوم هو الضامن الحقيقي لاستمرار المشروعات القومية الكبرى، وهو ما يجعل من “الأمان” وسيلة وغاية لتحقيق الرخاء والسيادة الوطنية الكاملة.

تحول العفو الرئاسي إلى آلية مؤسسية مستدامة تتجاوز مجرد القرارات الاستثنائية، بفضل التنسيق المستمر بين لجنة العفو والأجهزة المعنية؛ فهذا النهج يعزز من فكرة “المواطنة المسؤولة”، حيث ترسل الدولة رسالة واضحة بأن مسار الإصلاح السياسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بفتح آفاق الحرية لمن يلتزم بإطار الدولة والقانون. هذه المأسسة تمنح الحياة السياسية حيوية متجددة، وتؤكد أن الحوار الوطني هو عملية ديناميكية مستمرة تترجم مخرجاتها إلى قرارات تنفيذية ملموسة على أرض الواقع.

يُمثل تنفيذ قرار الإفراج عن هذا العدد الكبير من النزلاء في ذكرى عيد الشرطة صمام أمان للجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الإقليمية المعقدة؛ حيث إن قوة الدولة تكمن في قدرتها على احتواء أبنائها وترسيخ قيم العدالة الناجزة والرحمة السيادية. هذا التماسك الداخلي هو الذي يمنح مصر الحصانة ضد التدخلات الخارجية، ويجعل من استقرارها نموذجاً يحتذى به في المنطقة، حيث يدرك الجميع أن الأمن المصري يقوم على عقيدة حماية المواطن وتأمين مستقبله، بقدر ما يقوم على حماية الحدود وصون المقدرات.

إن الاحتفاء بعيد الشرطة في الخامس والعشرين من يناير، مقترناً بقرار العفو الرئاسي الشامل، يمثل شهادة استحقاق للدولة المصرية في قدرتها على إدارة معادلة “الأمن والحرية” بكفاءة واقتدار؛ حيث قد أثبتت التجربة الوطنية أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بحجم ترسانتها الأمنية، بل بمدى رسوخ قيم العدالة وقدرتها على احتواء أبنائها وفتح أبواب الأمل أمامهم. إن هؤلاء المفرج عنهم اليوم هم نتاج فكر إصلاحي حديث، يعلي من شأن كرامة الإنسان ويؤمن بأن التأهيل هو الطريق الأضمن لاستدامة الاستقرار.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13367

موضوعات ذات صلة

هل يُعيد البابا تواضروس كتابة تاريخ الكنيسة القبطية؟

حازم رفعت

صناعة نحل العسل أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد

المحرر

لماذا تراجع الدور الرقابي لمجلس النواب؟

غادة سعد

البابا تواضروس يُشارك في تطيب رفات بطل مجمع نيقية

حازم رفعت

محاصيل زراعية لمواجهة التغيرات المناخية

المحرر

السادة الأفاضل على “يانجو بلاي” رغم عرضه سينمائيًا

حسن عبدالعال