ثقافة وأدبسليدر

فاطمة لا ترقص التانجو: سرد القهر اليومي

  تمثل المجموعة القصصية “فاطمة لا ترقص التانجو” للكاتب أحمد رجب شلتوت ( صادرة عن وكالة الصحافة العربية – ناشرون، القاهرة ) في 2025، وفازت بجائزة اتحاد كتاب مصر للسرد القصصي، مشروعًا سرديًا متكاملًا،  تضم المجموعة  43 قصة قصيرة مختارة من مجموعات سابقة للكاتب، ويتضح منذ صفحاتها الأولى أن هناك خيطًا خفيًا يشد النصوص جميعًا، هو  خيط القهر اليومي، وتحولات السلطة في صورها الصغيرة، وانكسار الإنسان العادي.

  تتأسس المجموعة على فكرة مركزية، فالشخصيات لا تثور، لكنها لا تنصاع تمامًا. إنها تمارس أشكالًا ملتوية من الرفض، أقرب إلى الصمت المراوغ منه إلى الاحتجاج الصاخب. في “الضاحكون”، يُجبر عوضين على الرقص كي يُسمح له بالمرور، لكنه لا ينخرط في الطقس القسري. هنا يتحول الجسد إلى نص احتجاجي، ويصبح الضحك أداة سلطة لا تكتمل إلا بإخضاع الآخر، هذا المنطق نفسه يتكرر في قصص أخرى، ففي “تفاءل وإلا قتلتك” يصبح التفاؤل نفسه شرطًا قسريًا للوجود، وفي “انكسار” تتحول الحقيقة إلى عبء قاتل داخل جهاز بيروقراطي مأزوم.

    واللغة ذاتها تدخل ساحة الصراع، بين ما يُقال، وما يجب قوله، وما يُحظر النطق به.  واللافت أيضا أن السلطة في هذه المجموعة ليست مركزية فقط، بل متشظية. فهناك بل سلطات متعددة، سلطة الكبير (الضاحكون)، سلطة العمدة (مطاردة)، سلطة المؤسسة (انكسار)، سلطة الدولة القمعية (العائد إلى فرحانة)، وأيضا سلطة الخطاب الثقافي السائد (تفاءل وإلا قتلتك).

   وفي “العائد إلى فرحانة”، يبلغ هذا التوتر ذروته حين يتقاطع الخاص والعام، حكاية رجل عن زوجته تتحول فجأة إلى مشهد قمع سياسي مباشر، تمثل لحظة قتل الرجل لحظة انكشاف، فالسلطة لا تكتفي بالقمع، بل تقتل التعاطف نفسه. وتحمل الجملة الختامية “وصامتين حملناه إلى السيارة. وعدنا به إلى فرحانة”، كثافة مأساوية؛ إذ يتحول الجسد الميت إلى رسالة، وتصبح العودة تسليم للموت.

   انتهاك  الجسد      

   في أغلب القصص، الجسد هو أول ما تتناوله السلطة، عوضين يبلل ملابسه من الخوف، زوج فرحانة يُسحق تحت الهراوات، ليلى تُقتل باسم الشرف، والطفل في “كان جميلا” يواجه عنفًا غير مفهوم.

  الجسد هنا يصبح متلقيًا للعنف، وأيضًا حامل للمعنى. في “كان جميلا”، يتحول الطائر إلى استعارة للحرية المستحيلة، وتتحول المروحة إلى قوة قاتلة عمياء. المشهد كله يُبنى على مفارقة الإدراك، فالطفل لا يفهم مغزى ما يحدث، لكن القارئ يدرك حجم الفاجعة.

 الضحك كقناع للرعب

   والسخرية في المجموعة عنصر بنيوي للتكثيف، في “وقائع موت قط”، يتحول ضابط سابق إلى كائن مرتاب يطلق النار على قط، متخيلًا مؤامرة. السخرية هنا تكشف هشاشة السلطة بعد زوالها، وتفضح آلياتها النفسية.

   أما في “دم العصفور”، فالسخرية تبلغ ذروتها الرمزية، إذ يتحول الكاتب الحر إلى عصفور مكسور الجناح، بينما الكاتب الانتهازي يتحول إلى بغل ثم يُكافأ. المفارقة ليست فقط سياسية، بل أخلاقية، الكتابة نفسها تنقسم إلى شكلين، كتابة بالدم، وكتابة بالروث.

الغرائبي مرآة للواقع

    تلجأ نصوص عديدة إلى التحول والغرائبية، بوصفهما اداتي كشف. في “حكاية المدينة التي أصبحت سجنًا”، يتحول الخوف إلى واقع مادي حين يُبنى سور يطوق المدينة. المجاز يتحقق حرفيًا، ويصبح الكابوس نظامًا يوميًا. هذه التحولات تفضح ما هو مستتر في الواقع أكثر مما تهرب منه، كذلك تلجأ المجموعة كثيرًا إلى التحول كأداة سردية، الإنسان يتحول إلى حيوان، الواقع يتحول إلى كابوس، هذه التحولات تكشف ما هو مخفي في الواقع. في “حكاية المدينة التي أصبحت سجنًا”، يتحول الخوف الجماعي إلى واقع مادي ملموس، سور يُبنى فجأة حول المدينة. هنا تتحقق الاستعارة حرفيًا، فيصبح المجاز واقعًا.

  وفي قصة “عراء”، يتحول البيت من فضاء حميمي إلى مصدر تهديد، ثم تأتي الخيمة بوصفها بديلًا هشًا، كاشفًا لكل شيء، الانتقال من البيت إلى الخيمة يمثل انتقالًا وجوديًا من الخصوصية إلى العراء الكامل. وهذا ما تكشفه القصة “كل حرماته منتهكة، كل أسراره نهبًا للآذان”، هذه الجملة تكثف التحول، فالإنسان لا يفقد فقط بيته، بل حدوده وأمنه.

   وحتى العلاقات العاطفية لا تنجو من هذا العالم القاسي، في “دنياه الجميلة”، يحاول الحبيب أن يرسم عالمًا مثاليًا، لكن الحبيبة تكشف نقصه، فاللوحة بلا ذات، بلا فاعل، ويصبح الحب مشروعًا ناقصًا، مثل كل شيء في هذا العالم.

   أما في “إعدام ليلى”، فالحب يتحول إلى جريمة، والجسد الأنثوي إلى ساحة لغسل “العار”. القصة تعيد كتابة الموروث (قيس وليلى) بطريقة مأساوية، حيث ينتهي العشق إلى قتل.

  وإذا نظرنا إلى ترتيب القصص، نجد مسارًا ضمنيًا يبدأ بالعنف الفردي (الضاحكون)، ويتسع إلى العنف الاجتماعي (انكسار، عراء)، ثم يصل إلى العنف السياسي (العائد إلى فرحانة)، وأخيرا ينتهي بالعنف البنيوي الشامل (حكاية المدينة التي أصبحت سجنًا).

    هذا التدرج يمنح المجموعة وحدة داخلية، رغم تنوع موضوعاتها.

العنوان استعارة كبرى

  يمكن فهم العنوان  “فاطمة لا ترقص التانجو” باعتباره مفتاحًا تأويليًا للمجموعة كلها، فرقصة التانجو تتطلب انسجامًا وتوافقًا، بينما فاطمة (تحمل اسمًا دالًا على المحلية) ترفض هذا الإيقاع المفروض، العنوان إذن يشير إلى رفض التماهي مع نموذج مفروض، مقاومة الإيقاع الخارجي، التشبث بهوية مهددة.

وبعبارة أخرى، فاطمة لا ترقص لأن العالم نفسه مختل الإيقاع.

بلاغة الإيحاء

    تقوم لغة المجموعة على اقتصاد حاد، حيث تُبنى الجملة غالبًا من أقل عدد ممكن من الكلمات، لكنها تظل محمّلة بطاقة دلالية كثيفة. فلا مكان للاستطراد أو الزوائد؛ فكل جملة تؤدي وظيفة محددة داخل النسيج السردي، وغالبًا ما تنتهي بما يشبه “الضربة” التي تعيد توجيه المعنى أو تعمّقه.

   كما تتميز لغة المجموعة  بقدرة لافتة على توظيف الجملة القصيرة في خلق إيقاع متوتر، يتناسب مع عالم مضغوط ومأزوم. التقطيع السريع للجمل، والتوقفات المفاجئة، والاقتصاد في الوصف، كلها عناصر تخلق إحساسًا بالاختناق، كأن اللغة نفسها تعيش تحت ضغط يشبه ضغط الشخصيات.

     في هذا السياق، يصبح الصمت جزءًا من البنية اللغوية، لا فراغًا بينها؛ فالمحذوف لا يقل أهمية عما هو مكتوب.

   كذلك يعتمد السرد على مشهدية مباشرة تُقارب اللقطة السينمائية، حيث تُقدَّم التفاصيل عبر الفعل والحركة،  والحوار، بدوره، يلعب دورًا محوريًا، لكنه ليس حوارًا كاشفًا بقدر ما هو حوار مُراوغ، يشي أكثر مما يصرّح، ويترك فراغات دلالية على القارئ أن يملأها. وهذا يكسب الكتابة واحدة من أهم سماتها، وهي “الشفافية الخادعة”.  فالنص يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراء هذه البساطة شبكة معقدة من الإشارات والإيحاءات.

     ولا تنفصل اللغة عن الرؤية؛ فكما أن الشخصيات محاصرة ومقتصدة في أفعالها، تبدو اللغة أيضًا محاصرة، تكتفي بالإشارة بدل التصريح، وباللمح بدل البوح. وهكذا تتحول الكتابة إلى مساحة توتر مستمر بين المصرح به والمسكوت عنه، بين الحضور والغياب، وهي المساحة التي تمنح النصوص قدرتها على الاستمرار في ذهن القارئ بعد الانتهاء منها.

    وأخيرا فما يميز هذه المجموعة أنها تقدم بشرًا عاديين، مهزومين غالبًا، لكنهم يحتفظون بشيء ما، وإن بدا صغيرا، عناد عوضين، دمعة زوج فرحانة، صمت الأستاذ ماجد، كتابة العصفور بدمه. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح النصوص قوتها. فالهزيمة هنا ليست نهائية، ولكنها حالة معلقة، كأن الشخصيات تقف على حافة العبور، لا تعبر، لكنها أيضًا لا ترقص.

أحمد مروان

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15731

موضوعات ذات صلة

بدرية طلبة تواجه الشائعات بالقانون

حسن عبدالعال

شعبة الخضروات توضح أسعار المحاصيل خلال رمضان

المحرر

كيف تحمي أسرتك من مخاطر العواصف الترابية؟

أيمن مصطفى

صناعة نحل العسل أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد

المحرر

شراكة وطنية لتمكين المرأة وتعزيز الوعي الأسري

حازم رفعت

“جوازة ولا جنازة” في مهرجان البحر الأحمر السينمائي

حسن عبدالعال