ثقافة وأدبسليدر

في رواية “الستات”.. نساء الإسكندرية على حافة الانكسار

    تبدأ رواية “الستات” للكاتب الراحل “مصطفى نصر” بمشهد  قد يبدو عابرا لكنه كاشف، إذ تخرج خيرية من بيتها القصير المتهالك، تصعد الدرجتين المصنوعتين من الطوب الجيري، لتصل إلى أرض الحارة، هذا المشهد البسيط يحدد منذ البداية موقع الشخصيات، فالبيت ينخفض عن أرض الحارة بمقدار درجتين من الطوب الجيري، وبالتالي تشير فقرة البداية إلى تاريخ من الفقر والحرمان، وتستحضر التفاوت الطبقي منذ البداية.

  أيضا لا تشير كلمة “الستات” في العنوان إلى جنسٍ مقابل آخر، بل إلى كيان اجتماعي تؤسس الرواية عليه عالم متشعّب الطبقات، متناقض الرغبات، والروائي الكبير “مصطفى نصر”، الذي بنى مشروعه السردي على تجسيد المدينة من خلال ناسها العالقين في الهامش، يجعل من النساء مركزا للحكاية، ومرايا نرى من خلالها المدينة، والرجال وبنية العلاقات، وبالتالي تصبح رواية عن العالم من خلال النساء.

  ولا يأتي العنوان بصيغة المفرد (امرأة، ست) بل بصيغة الجمع، “الستات”. الجمع هنا بمثابة إعلان عن التعدد وأيضا عن التنافر والتناقض، فالنساء في الرواية لسن كيانًا واحدًا، بل طيفًا واسعًا من الشخصيات والطبقات والدوافع، بحيث تقدم الرواية ما يمكن اعتباره تاريخ شعبي للمدينة، من خلال نسائها اللواتي يحملن العالم على أكتافهن، ورجالهن الذين يعيشون في ظلّهن وليس العكس كما يظنون،  الرواية ليست مجرد بانوراما اجتماعية، بل هي محاولة لإعادة رسم صورة المرأة الشعبية في علاقتها بالرغبة والجسد والسلطة والعائلة، وإذا كان الرجل حاضراً بوصفه طرفاً في المعادلة، فإن “الستات” هن المركز الذي تتوزع حوله الخيوط كلها، في صراع لا يخلو من قسوة ومفارقات.

تعدد الأصوات

    يميل السرد إلى الأسلوب التقريري التفصيلي، يقترب من اللغة الشفاهية للحكاية الشعبية، مع ميل واضح إلى رسم المشاهد اليومية، مثلا، الطريق إلى العمل، الشجار العائلي، لحظات الغيرة أو الغرام.       يبني الكاتب روايته على تعدّد الحكايات التي تتجاور وتتقاطع، خيرية وصبرية وأختهن الكبرى إخلاص، جارتهم فاطمة الشيخ، الصديقة اليهودية نجوى، والرجال الذين يدورون في فلكهن من عبد القادر لاعب الكرة، إلى سيد الورّاق، إلى سالم الصعيدي صاحب الكازينو.

   ولا يعتمد  “مصطفى نصر” على الحبكات الكبرى، بل على تعدد مسارات الحياة، قصة فاطمة الشيخ تكاد تكون رواية مستقلة داخل الرواية، وقصة نجوى والزواج اليهودي المختلط تنفتح على طبقة اجتماعية مختلفة، قصة إخلاص وغيرة النساء تخلق حبكة نفسية واجتماعية، هذا التعدد لا يصنع فوضى، بل يقدم تمثيلا دقيق لمدينةٍ متعددة الأصوات بطبيعتها، والحكايات كلها تترابط ضمن شبكة كبرى تماثل تركيب الحارة نفسها، كفضاء مزدحم، متخم بالهموم والرغبات.

  ولغة مصطفى نصر هنا، تقترب من الحكي الشعبي، حوار مباشر، أوصاف دقيقة، تفاصيل صغيرة تؤثر في الأحداث أو تمهد لها، مثال ذلك وصف الحارة: “بيت قصير متهالك. درجتان من الطوب الجيري. جبل ترابي يعلو الحارة”،  هذه اللغة التصويرية تجعل المكان نابضا بالحياة، لكنها في الوقت نفسه تبتعد عن التنميق الفصيح لتقترب من الصدق الفني.

الحارة فضاءً سردياً

   الإسكندرية في الرواية ليست المدينة الساحلية المألوفة للمصطافين، بل هي مدينة الحارات الخلفية، التي لا يعرفها الغرباء، حيث تتجاور البيوت القصيرة المتهالكة مع شون الزبالة، وحيث يمتلك بعض الأثرياء الصغار نفوذاً بحكم صعودهم من قاع المهنة. الحارة هنا ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي شخصية حاضرة، تؤطر السلوكيات وتعيد إنتاج أنماط الفقر والثراء. فتتحول إلى فضاء كاشف لآليات السلطة الاجتماعية، الحارة هنا شخصية فاعلة، حاضرة بكل تناقضاتها، “ابتدع عبد اللاه نصار – عندما جاء لهذا الحي – مهنة جمع الزبالة، فاغتنى واشترى بيوته الكثيرة”، هكذا يتحوّل جامع القمامة إلى شيخ للزبالين ومالك للبيوت، لتكشف الرواية عن ديناميات الصعود الاجتماعي في قاع المدينة.

  سيطرة (عبد اللاه نصار وأحفاده) على الفقراء، مراقبة الجيران لبعضهم، انكشاف الخصوصية، بل وحتى تحوّل الشارع إلى مرآة تفضح الفضائح، كما حدث مع فاطمة الشيخ بعد سقوطها.

الظل والمركز

   في أغلب روايات الكاتب، تظهر المرأة بوصفها قوة كامنة، وفي رواية “الستات” يجعل منها مركزًا فعليًا للسرد، فهناك امرأة تحب، وأخرى تخون، وثالثة تُخدع، ورابعة قد تفقد حياتها بسبب خطأ واحد،  وهنا تكشف كل شخصية نسائية بعداً من أبعاد المأساة، مثلا خيرية، الأخت الوسطى، جميلة، تجيد الفرنسية، وتحلم بالزواج من عبد القادر لاعب الكرة. لكنها تتعرض للخذلان، “قالت في هيام: أتمنى لو يخطبني. الغريب إنه لم يحس بخيرية رغم جمالها الواضح”، الجمال هنا يتحوّل إلى نقمة، إذ يجعلها مطمعاً للجميع لكنه لا يحقق لها ما تريد، الحب والاستقرار.

     وصبرية الأكثر استسلاما لواقعها بين الأخوات، ترضى بعملها البسيط وتكتفي بالقليل، لتبقى شاهدة على انكسارات الأخريات، وفاطمة الشيخ، الجارة التي تسقط في غواية السلطة والمال، فتترك خطيبها عبد القادر وتلحق بالرئيس المخلوع عبد ربه، قبل أن تنتهي مشوّهة ومنبوذة، أما نجوى اليهودية، الممزقة بين إرث عائلتها وعاطفتها تجاه فهمي، فتكشف الرواية عبرها عن بُعد آخر من علاقة الإسكندرية المتعددة الأديان والطبقات.

  كل هذه النماذج تكشف أن المرأة يمكن أن تكون فاعلة، تختار، وتغامر، وتخطئ. لكنها في النهاية محكومة بسقف اجتماعي قادر على تحويل أي محاولة للتحرر أو الصعود إلى مأساة.

   وعلى عكس التوقعات، تقدم الرواية الرجل بوصفه كائنا هشا، يعجز عن اتخاذ قرار، لوقوعه دائما تحت ضغط الفقر والرغبة والغيرة والفشل. وبالتالي نراه جزءاً من مأساة جماعية، فالغني يستسلم للشهوة فيتعرض للفضيحة، والفقير يحلم بالحب لكن واقعه يتكفل بإجهاض الحلم، والمتعلم (المقرئ، الطبيب، المعلم) يعيش خيبة دوره المتآكل. مثلا عبد القادر، لاعب الكرة الذي تسحقه الفوارق الطبقية، ويتخلى عن حبيبته هربًا من إحساسه بالعجز، وسيد الذي يرث ثروة دون تعب، فيكشف المال مدى هشاشته،

هكذا  يصبح الرجل هو الأكثر تعرضًا للانكسار، لأنه محاصر بنظام اقتصادي قاسٍ، وأدوار اجتماعية تعجزه، وأحلام أكبر من قدراته.

الجسد والمدينة

 تحمل كل امرأة في الرواية جزءًا من الجغرافيا، مشية فاطمة الشيخ على بلاط الأنفوشي، التي توقف الصيادين عن العمل،  خطوات خيرية فوق الجبل الترابي الذي يربط الحارة بالعالم الراقـي،  رغبة نجوى وهي تعبر شارع الباشا، الإدهاش الأنثوي الذي يعيد رسم المشهد اليومي، هكذا تتشكل المدينة بالحركة النسائية، مشية، نظرة، انتظار، عودة، خيبة، صعود وهبوط.

  من الملحوظ أن معظم التحولات في الرواية مرتبطة بـالمال، إرث عبد اللاه نصار من الاتجار في الزبالة، الدكان والشقة اللذان يورثهما الخواجة يعقوب، الهدايا والنقود التي يوزعها عبد ربه على فاطمة، أجر الأزياء الراقية، وحتى الحشيش في القهوة. فلا حب في الرواية بمعزل عن المال. فاطمة تترك عبد القادر الفقير  من أجل رئيسها الغني، نجوى يزوجونها من سيد لأنه يرث الدكان والشقة، وفردوس تقول لابنتها: “أنت أجمل أخواتك، وطالما حلمت بأن تتزوجي غنياً ينتشلنا من حالة الفقر”، المال في الرواية هو المعيار الذي يقاس به الحب والزواج والمكانة الاجتماعية، بل هو المحرّك الأساسي للعلاقات الإنسانية، هذه النزعة المادية تكشف عن مأزق اجتماعي عميق، انسداد الأفق، وارتباط كل شيء بالقيمة الاقتصادية، وحتى العاطفة تتحوّل إلى صفقة، والكرامة نفسها تصبح قابلة للبيع أو المقايضة.

     وأخيرا فالرواية تقدّم صورة بانورامية لمجتمع مأزوم، حيث تتكرر الحكايات جيلاً بعد جيل. وفي المحصلة، فالرواية ورغم بساطتها الظاهرة تعتبر واحدة من أهم روايات مصطفى نصر لأنها تذهب إلى قلب العالم الشعبي السكندري بعيون النساء، وتعيد قراءة المدينة وعلاقاتها الطبقية والجسدية من موقع جديد، وتحكي عن اولئك الذين لا صوت لهم.

أحمد رجب شلتوت

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13733

موضوعات ذات صلة

يسرا اللوزي مع ماجد الكدواني في «كان ياماكان»

مي صلاح

شبكة نقل متكاملة لتيسير الوصول إلى معرض الكتاب

أيمن مصطفى

حقيبة الأحلام المثقوبة.. قصة قصيرة

أيمن مصطفى

المركزية للإرشاد تعلن تنفيذ 150 ندوة لدعم المزارعين

المحرر

رحلة آمنة مع ابنك.. دليل نيلسون للأمومة الحقيقية

المحرر

المراهنات الرياضية.. متعة عابرة أم جريمة مكتملة الأركان؟

محمود المهدي