عربي ودولي

مخاض الألب.. هل يُنقذ دافوس كوكب القلق؟

بينما تلتحف جبال “الألب” ببياض الثلج الصارم، وتتوارى بلدة “دافوس” السويسرية خلف ضباب “يناير” الكثيف، يبدو المشهد العالمي في مطلع عام 2026 وأنه يقف على “حافة الحقيقة”؛ فلا الثلج بقادر على إطفاء حرائق الأزمات الجيوسياسية المشتعلة، ولا القمم العالية استطاعت أن تعزل صناع القرار عن أنين الشارع المثقل بأوجاع التضخم وهواجس المستقبل الرقمي.

منتدى دافوس هذا العام ليس مجرد تظاهرة اقتصادية عابرة، بل هو “محكمة دولية” للضمير السياسي والعقليات الاقتصادية التي باتت مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بالإجابة على السؤال الصعب: كيف نمنح “الإنسان” الأمان في عالم يهرول نحو “الآلة”، وكيف نعيد لـ”روح الحوار” هيبتها وسط ضجيج الصراعات التي لا تهدأ؟

ميثاق “مجلس السلام”

وفي خطوة دبلوماسية هزت أركان المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً على الميثاق التأسيسي لـ”مجلس السلام” الجديد، بحضور عدد من قادة العالم ومسؤولين رفيعي المستوى، حيث قد أثار الإعلان الرسمي عن تحول المجلس إلى “منظمة دولية رسمية” تساؤلات عريضة حول دوره المستقبلي وعلاقته بالأمم المتحدة القائمة.

وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، أن الميثاق قد دخل حيز التنفيذ وأن مجلس السلام بات منظمة دولية فاعلة، حيث قد جاء التوقيع خلال مراسم احتفالية شهدت مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من قادة العالم ومسؤولين دوليين.

منح الميثاق، الرئيس ترامب صلاحيات واسعة كرئيس افتتاحي للمجلس، بما في ذلك حق النقض (الفيتو) على قرارات المجلس التنفيذي وتعيين الأعضاء، حيث قد كان المجلس في الأصل فكرة لمراقبة إعادة الإعمار في غزة، بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، فإن الميثاق الموسع لا يحدد نطاقاً جغرافياً لعمله، مما يثير مخاوف من أن يكون هيكلاً منافساً لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كما برزت نقطة خلاف كبرى تتمثل في متطلبات العضوية الدائمة؛ إذ أشارت تقارير إلى أن الدول الراغبة في مقعد دائم يجب أن تساهم بمبلغ لا يقل عن مليار دولار أمريكي، وهو ما وصفه البعض بـ”نادي الدفع مقابل اللعب”. وبينما نفى البيت الأبيض وجود “رسوم إلزامية”، تظل قضية التمويل محورية في النقاش الدائر.

ردود فعل دولية متباينة

الحدث قوبل بتشكك من حلفاء أمريكيين تقليديين مثل فرنسا وبريطانيا، بينما رحبت دول أخرى في الشرق الأوسط بالمبادرة؛ فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تلقى دعوة للانضمام، أشار إلى أنه لا يزال يدرس العرض، رغم تأكيد ترامب قبوله.

وفي كلمته أثناء التوقيع، أكد ترامب أن المجلس سيعمل “بالتنسيق” مع الأمم المتحدة، وأنه سيتولى الكثير من المهام التي “فشلت الأمم المتحدة في إنجازها” عبر عقود. وبذلك يبقى المشهد الدبلوماسي مفتوحاً على تساؤلات جادة: هل يمثل “مجلس السلام” الجديد بداية نظام عالمي موازٍ، أم أنه مجرد إضافة تهدف إلى كسر الجمود الدبلوماسي؟ الإجابة ستكشفها الأيام القادمة، مع بدء المجلس أولى مهامه على الساحة الدولية.

وانطلقت أعمال الدورة السادسة والخمسين للمنتدى (19-23 يناير 2026)، لتكون محاولة أخيرة لترميم التصدعات التي أصابت جدار التضامن الإنساني، في وقت يواجه فيه العالم اختباراً هو الأصعب، تتداخل فيه طموحات “الذكاء الاصطناعي” مع صراعات “الجغرافيا السياسية”.

أجواء “القلعة الثلجية”

أما عن كواليس “القلعة الثلجية” في دافوس، فقد بدا المنتدى هذا العام وكأنه “الأمم المتحدة المصغرة” ولكن بنكهة اقتصادية حادة؛ حيث شهدت المدينة إجراءات أمنية هي الأشد في تاريخها لتأمين حضور أكثر من 100 رئيس دولة وحكومة، وآلاف القادة من القطاع الخاص. ولم تكن المشاركة الصينية والاتحاد الأوروبي مجرد حضور شرفي، بل دخلت بكين وبرلين في سباق محموم لاستقطاب دول “الجنوب العالمي” عبر صفقات تكنولوجية خضراء، مما خلق حالة من المنافسة “تحت الصفر” في درجات حرارة الجبل، تحاول فيها كل قوة دولية تثبيت أقدامها في نظام عالمي يعاد تشكيله من جديد.

وقد برز تحدي “الاستقطاب الرقمي” كأحد أخطر التهديدات المعاصرة؛ حيث لم يعد الخلاف على التجارة فحسب، بل على “من يملك العقل الاصطناعي”، حيث قد حذر قادة التكنولوجيا في جلسات مغلقة من تحول الذكاء الاصطناعي إلى “سلاح صامت” قد يعمق الفجوة بين الأمم، مما جعل الحديث عن “السيادة الرقمية” ضرورة حتمية للدول الناشئة، وهو الملف الذي خاضت فيه مصر نقاشات مستفيضة لضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى أدوات استعمارية جديدة تسلب الدول قرارها الوطني.

ولم تغب أزمة “أمن الطاقة والغذاء” عن الأجندة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية التي أرهقت سلاسل الإمداد العالمية. فقد شهدت أروقة المنتدى تحذيرات من موجة تضخمية “ثالثة” قد تضرب القارات السبع إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية تضمن تدفق السلع الاستراتيجية بعيداً عن مناطق الصراع.

وكان لافتاً التركيز على “الهيدروجين الأخضر” كطوق نجاة، حيث سعت الدول الكبرى لعقد شراكات مع دول حوض المتوسط، وفي مقدمتها مصر، لتحويل المنطقة إلى “خزان طاقة” نظيف للقارة العجوز التي لا تزال تبحث عن بدائل آمنة ومستقرة.

وعلى جبهة أخرى، ناقش المنتدى ما يُعرف بـ”الأوبئة السيبرانية” التي باتت تهدد الأنظمة المصرفية العالمية، بالتوازي مع تحدي التغير المناخي الذي لم يعد يمهل أحداً. فقد أجمع المشاركون على أن عام 2026 هو “عام الحقيقة” بالنسبة لاتفاقيات المناخ، وسط ضغوط شعبية عالمية تطالب الشركات الكبرى بالتوقف عن “الغسيل الأخضر” والبدء في تمويل حقيقي لتعويض الدول المتضررة، إذ إن هذا التداخل بين “المناخ” و”الأمن السيبراني” رسم لوحة من التحديات المركبة التي تجعل من العمل الجماعي خياراً وحيداً للبقاء، وليس مجرد رفاهية سياسية.

وبالرجوع إلى الأجندة التي يفرضها الواقع، نجد أن نسخة هذا العام قد أزاحت الملفات الاقتصادية التقليدية جانباً لتضع “السياسة” في المقعد الأمامي؛ فبينما كان قادة الأعمال يتحدثون عن “الذكاء الاصطناعي السيادي”، كانت أصداء المدافع في غزة وأوكرانيا والسودان تفرض نفسها على طاولات النقاش، محذرة من أن أي نمو اقتصادي يظل هشاً طالما أن قواعد الأمن العالمي مهتزة.

وفي هذا السياق، تبلورت نقاشات المنتدى حول خمس ركائز أساسية، اعتبرها الخبراء بمثابة “خارطة طريق” للعبور من الأزمة؛ فمن البحث عن مساحات مشتركة في عالم مستقطب، إلى ضرورة الابتكار المسؤول الذي يحمي البشرية من تغول الخوارزميات، وصولاً إلى دمج أجندة المناخ بالنمو المستدام، تظل قضية “الاستثمار في الإنسان” هي الجوهر والغاية.

واتصالاً بهذا المشهد العالمي المتوتر، برز الحضور المصري في أروقة المنتدى كركيزة أساسية تعكس ثقلاً إقليمياً متزايداً؛ حيث لم تكتفِ القاهرة بتقديم رؤيتها الاقتصادية فحسب، بل حملت معها هواجس المنطقة وتطلعات شعوبها نحو الاستقرار. وقد تكللت هذه المشاركة باللقاء الثنائي الهام بين الرئيس السيسي ونظيره الأمريكي ترامب، وهو اللقاء الذي قرأ فيه المراقبون رسالة دعم قوية لمكانة مصر كصمام أمان في شرق أوسط مضطرب.

وإذا كانت القاهرة قد أثبتت في هذا المحفل أنها “الرقم الصعب” في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن صوتها هو صدىً لطموحات أمة ترفض الانكسار أمام العواصف، فإن الأيام المقبلة هي “الميزان” الذي سيختبر مدى صدق الوعود العالمية؛ فلقد انتهى زمن “التشخيص” وبدأ زمن “الجراحة”؛ فإما عالم يتشارك الدفء والنمو، أو غرق جماعي في صقيع الأزمات المفتوحة.. وتبقى “روح الحوار” مجرد حبر على ورق، ما لم تتحول إلى “روح للعدالة” تمنح الإنسان حقه في حياة كريمة وآمنة.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13052

موضوعات ذات صلة

هروب داعش يشعل قلقا سياسيا

ضاحى محمود

هل بدأ التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية لاتفاق غزة؟

محمود كرم

لماذا أقال نتنياهو وزير الدفاع من منصبه؟

المحرر

مساعي إسرائيلية قديمة.. ما وراء قرار ترحيل سكان غزة ؟

المحرر

واشنطن ترسم الخط الأحمر أمام بغداد

ضاحى محمود

خسائر تاريخية في أمريكا.. هذه محصلة حرائق كاليفورنيا

المحرر