دين ودنيا

مصطفى شلبي: فتح مكة.. «دستور» العفو ووحدة الأمة

الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري

 

بين طيات التاريخ، تبرز محطات تتجاوز مفهوم “النصر العسكري” لتستقر في وجدان البشرية كدستور أخلاقي خالد. وفي حوار صريح لـ«صوت البلد»، فكّك الداعية الإسلامي فضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري شفرات “فتح مكة”، كاشفاً عن فلسفة القوة التي قاد بها النبي ﷺ جيش الـ10 آلاف، ليس لإخضاع الرقاب، بل لاستعادة القلوب والضمائر تحت راية “الأمة الواحدة”.

سيكولوجية النصر

استهل الشيخ مصطفى شلبي حديثه لـ«صوت البلد» بالتركيز على “الجوهر التكويني” لجيش الفتح، موضحاً أن العام الثامن للهجرة لم يكن مجرد تحرك تكتيكي، بل كان انفجاراً لقوة القيم التي تراكمت عبر سنوات التربية النبوية؛ حيث يقول الأزهري: “سر القوة لم يكن في العشرة آلاف سيف، بل في العشرة آلاف قلب التي نبضت بإيقاع واحد.. لقد صهرت مدرسة النبوة هؤلاء الرجال، نزعت منهم فتيل الأنانية وحب الذات، وصنعت منهم جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”.

ويضيف فضيلته: “عندما تتوحد الغاية وتتلاقى الأفئدة على الإيمان، يتحول المستحيل إلى واقع ملموس. وحين اكتملت فيهم شروط الاستخلاص، جاء المدد السماوي بالبشرى الخالدة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، ليكون إيذاناً بأن النصر لمن استكمل أدوات الروح قبل أدوات المادة”.

يوم المرحمة

انتقل الحوار إلى “اللحظة الفارقة” حين وقف النبي ﷺ أمام كبرياء قريش الذي انكسر تحت أقدام الحق، إذ يُحلل الشيخ شلبي مشهد العفو التاريخي قائلاً: “تخيل أمة عانت طويلاً من التنكيل، والتهجير، ومصادرة الحقوق، ثم تأتي لحظة التمكين. ففي موازين البشر، يكون الانتقام هو الرد الطبيعي، لكن في ميزان النبوة، كان “العفو الشامل” هو الرد الإلهي. فسؤال النبي ﷺ: (ما تظنون أني فاعل بكم؟) لم يكن سؤال استفسار، بل كان سؤال استنطاق لمبادئ الرحمة الكامنة في الإسلام”.

ويشدد الأزهري على أن جملة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» لم تكن تنازلاً عن حق، بل كانت استراتيجية لبناء دولة؛ فلقد تجلت هنا عظمة الإسلام الذي جعل من النصر جسراً للمصالحة الوطنية الكبرى؛ حيث كان فتحاً للقلوب واستمالة للنفوس، وهو ما جعل مكة تدخل في دين الله أفواجاً، ليس خوفاً من السطوة، بل حباً في السماحة.

وحدة الأمة

وبنظرة فاحصة لواقع الأمة المعاصر، وجه الشيخ مصطفى شلبي رسالة شديدة اللهجة عبر «صوت البلد»، معتبراً أن “التشرذم” هو الثغرة التي ينفذ منها كل متربص. وقال: “إن أعظم درس يقدمه فتح مكة اليوم هو أن السيادة تُولد حين تتوحد الكلمة؛ فالأمة التي تفرقت أيدي سبأ لن تجد لها مكاناً في خارطة القوى العالمية إلا بالعودة لروح ذلك الفتح.

ويستطرد: “التحديات الراهنة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو فكرية، تفرض علينا استلهام الأخوة الصادقة؛ فالتاريخ يخبرنا بوضوح أن الأمة حين تتنازع تضعف ريحها، وحين تجتمع تقوى وتنتصر؛ حيث قد وضع القرآن الكريم القاعدة الذهبية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وهي دعوة ليست للوعظ فقط، بل للعمل الجماعي وتجاوز الصراعات الهامشية من أجل الهدف الأسمى”.

ويرى الأزهري أن “وحدة الصف” هي السد المنيع أمام الأزمات العاصفة، حيث يشرح ذلك قائلاً: “الأعداء لا يراهنون على قوتهم بقدر مراهنتهم على وهننا الداخلي؛ ففتح مكة يعلمنا أن الجبهة الداخلية المتماسكة هي التي تصنع المعجزات؛ إذ إننا اليوم بحاجة اليوم إلى فتح جديد للضمائر، يغسل غبار الأحقاد، ويحل محله تكاتف الأيدي والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الأخطار التي تحيط بالوطن وبالأمة”.

وفي ختام لقائه، أكد الشيخ مصطفى شلبي أن “فتح مكة” ليس حدثاً تاريخياً يُدرس في فصول السيرة فحسب، بل هو “منهج عمل” حي لكل جيل يبحث عن التمكين، لافتاً إلى أن الطريق يبدأ من “وحدة القلوب” قبل “وحدة الصفوف”.

وأضاف: “رسالتي للشباب وللقادة: أن استعادة العزة ليست صعبة متى ما أدركنا أن تفرقنا هو الانتحار، وأن وحدتنا هي طوق النجاة، حيث إن الأمة التي تترابط وتتماسك قادرة على رسم مستقبلها وفرض هيبتها، مهما تضاعفت الضغوط أو تعاظمت المخاطر”.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15314

موضوعات ذات صلة

وكيل الأزهر يشهد افتتاح مسجدين بالبحر الأحمر

محمود على

تخريج دفعة جديدة من الدعاة الوافدين بالأزهر

محمود على

الله معنا.. فلا غالب لنا

أيمن مصطفى

أسبوع الدعوة يناقش تحديات المرأة بين الهوية والتغريب

محمود على

“القيم الإنسانية المشتركة”.. ندوة لـ”خريجي الأزهر” بنيجيريا

المحرر

الأزهر :بدء التقديم «لمسابقة الأزهر للسُّنَّة النبوية»

المحرر