سليدرميديا

مقصلة التريند!

في مطلع هذا العام، 2026، وبينما نفاخر بوصولنا لعصر الذكاء الاصطناعي الفائق والمدن الذكية، نجد أنفسنا مضطرين للتوقف أمام ظاهرة تزداد توحشاً وتكاد تبتلع ثوابتنا الأخلاقية؛ إنها ظاهرة “التريند الزائف”؛ حيث لم يعد السؤال اليوم “ماذا قدمت لمجتمعك؟”، بل أصبح السؤال المرير في غرف الدردشة ومنصات التواصل هو “كم عدد المشاهدات التي حصدتها؟.

تحول العالم الرقمي إلى “سيرك” مفتوح، يتسابق فيه البعض لتقديم أسوأ ما لديهم، ليس بحثاً عن قيمة، بل سعياً خلف “لايك” عابر أو شهرة رخيصة تُبنى على أنقاض الحياء والمنطق. إننا اليوم لا نناقش مجرد سلوكيات فردية طائشة، بل نواجه “صناعة” تهدف لتغييب الوعي وتسطيح العقول، فهل نترك مستقبل شبابنا رهينة لـ”خوارزميات” لا تعترف بالقيم، أم نضع حداً لهذا الهوس الذي بات يهدد أمننا المجتمعي؟

سيكولوجية “الهوس”

يرى المحللون في دراساتهم أن الانغماس في التريند الزائف خلق نوعاً من الانفصام؛ حيث يعيش الشاب شخصية “صاخبة” خلف الشاشة، بينما يعاني من فراغ حاد في الواقع، إذ إن هذا التناقض أدى لارتفاع معدلات “الاكتئاب الرقمي” حين يتوقف العداد عن الصعود، مما يثبت أن الشهرة اللحظية هي مخدر موضعي للأزمات النفسية لا أكثر.

لقد أصبح “العداد” هو الحاكم والمتحكم؛ فكم من شاب أضاع كرامته من أجل “فيديو” ثوانٍ، وكم من فتاة باعت خصوصيتها في مزاد “المشاهدات”، إذ إن ما نراه اليوم ليس مجرد محتوى، بل هو “تجارة بالقيم”، حيث تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا الهوس رسخ لمبدأ الاستسهال؛ فبدلاً من إتقان مهارة حقيقية، أصبح البعض يبحث عن “أقصر الطرق” ولو كانت عبر الإسفاف، مما خلق جيلاً يرى النجاح “رقماً” على الشاشة لا أثراً في الواقع.

تزييف القدوة

لا يمكننا تبرئة الشركات التكنولوجية؛ فخوارزميات 2026 لا تزال تنحاز للمحتوى الصادم لأنه الأكثر ربحية. وهنا يبرز دور “السيادة الرقمية”؛ إذ يجب الضغط لتعديل هذه الخوارزميات لتدعم المحتوى الهادف. كما حان الوقت لدمج “الثقافة الرقمية” في مناهجنا لتعليم الطلاب كيف يرفضون المحتوى الذي يتصادم مع قيمهم.

إن الكارثة الكبرى التي نعيشها في 2026 هي “صناعة القدوات الزائفة”؛ فبمجرد أن يتصدر أحدهم “التريند” بفعل سلوك شاذ أو محتوى تافه، تتسابق بعض البرامج والقنوات لاستضافته كنجم، مما يرسخ في أذهان الأطفال والمراهقين أن الطريق نحو النجومية لا يمر عبر العلم أو الكفاح، بل عبر كسر القواعد والتمرد على الذوق العام؛ فنحن هنا لا نصنع مشاهير، بل نصنع “رموزاً ورقية” تذوب مع أول قطرة وعي، لكنها تترك وراءها تشويهاً كبيراً لمفهوم القدوة.

خلف هذه الشاشات الملونة تكمن تكلفة باهظة؛ فالهوس بالتريند عطل طاقات إنتاجية هائلة لدى الشباب الذين استبدلوا العمل الحقيقي بملاحقة السراب الرقمي، حيث بتنا نرى استنزافاً للوقت والجهد في صراعات وهمية (Fake Dramas) تُصطنع خصيصاً لزيادة التفاعل، وهو ما يؤدي إلى تآكل “رأس المال الاجتماعي” المتمثل في الثقة والاحترام المتبادل بين الأفراد، ويحول المجتمع إلى ساحة للمزايدات والمشاحنات من أجل مكاسب مادية زائلة من المنصات.

هيبة الوعي

في نهاية المطاف، لن تنجح القوانين وحدها في كبح جماح هذا الهوس ما لم تعد “هيبة الوعي” للشارع المصري. يجب أن نربي جيلاً يفتخر بـ”الاستعلاء الأخلاقي” على المحتوى الهابط، جيلاً يشعر بالخجل من التفاعل مع الإسفاف بدلاً من تشجيعه؛ فالوعي هو “الفلتر” الحقيقي الذي سيعيد ترتيب المشهد؛ بحيث يعود العالم والمفكر والمبدع إلى صدارة المشهد، ويتراجع “تجار التريند” إلى الهامش حيث مكانهم الطبيعي.

وعلى الرغم من القوانين التي تم تحديثها مطلع هذا العام لمكافحة الجرائم الإلكترونية، إلا أن “التريند الزائف” يجد دائماً ثغرات في منطقة “الرمادية الأخلاقية”؛ حيث إن التحدي التشريعي في 2026 لم يعد يتعلق فقط بمنع الجرائم الواضحة، بل في كيفية ضبط المحتوى الذي لا يعاقب عليه القانون بوضوح لكنه يهدم الوجدان الجمعي، إذ إننا بحاجة إلى تشريعات “ذكية” تلاحق التطور الرقمي وتضع حدوداً فاصلة بين حرية الإبداع وبين استغلال التفاهة للتربح السريع.

إن معركتنا اليوم ليست معركة تكنولوجيا، بل هي معركة “وعي”؛ فالمسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً؛ من الأب الذي يراقب، إلى المشرّع الذي يضع الحدود، وصولاً إلى المتلقي الذي يملك سلاح “التجاهل”؛ فالفقاعة مهما كبرت لا بد أن تنفجر، وما ينفع الناس سيمكث في الأرض؛ فلنجعل من 2026 عاماً لاستعادة السيادة الأخلاقية، ولنُثبت أن “اللايك” لا يمكن أن يشتري تاريخاً، ولا يمكن أن يهزم وطناً يتنفس الأصالة والكرامة.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12466

موضوعات ذات صلة

البابا تواضروس: التعليم اللاهوتي مستقبل الكنيسة

حازم رفعت

أول يـنـايـر.. عـقـد جـديـد مـع الـنفس

أيمن مصطفى

تخريج دفعة جديدة من الدعاة الوافدين بالأزهر

محمود على

مهد المحبة بالإسكندرية… كنائس مصر توحد القلوب بالعيد

حازم رفعت

محاصيل زراعية لمواجهة التغيرات المناخية

المحرر

الاسكندرية : منظومة النظافة تدخل “البيات الشتوي”

أيمن مصطفى