ثقافة وأدبسليدر

الوزير والمهرجان .. والثقافة التائهة عن شوارع مصر

قبل نحو عام من الآن أطلّ وزير الثقافة السابق د.أحمد فؤاد هنو، في جلسة مكاشفة أمام مجلس الشيوخ، مستعرضًا بالأرقام الأنشطة التي أقامتها الوزارة والتي تمت برغم ضعف الميزانية المرصودة للثقافة ككل، وتعهد في الختام بتفعيل استراتيجية جديدة تواكب العصر وتشمل قصور الثقافة وتصل للمناطق الحدودية والقرى المحرومة.

على مقهى شهير بإحدى قرى الدلتا، تسمّر أصدقاء من شباب المثقفين والمبدعين يطالعون الوعود والأرقام من شاشة التليفزيون، لكنهم قد عزموا على ألا تكون جلستهم في قصر الثقافة الأشبه بفصول المدارس الحكومية المتهالكة. ارتشف الأصدقاء الشاي وجاءت إشارة البدء بكلمات أحدهم وكان أستاذا قد تجاوز الأربعين من عمره، لكنه لا يزال يتذكر قصر الثقافة الذي التقى فيه نجوم عصره وعرض عليهم إبداعاته الكتابية. لا يزال يتذكر نادي السينما والمسرح القريب من بيته، ويمتن لمشروع اقتنى من خلاله روائع الأدب والتراث بأسعار زهيدة.

ابتسم الرفاق لأنهم يعرفون تلك الأيام ولأنهم أيضا يفتقدونها بكل ما تحمله من مشروع للدولة في الثقافة والفنون والإعلام. ولما تحدث صاحبهم عن مكتبته التي بناها في العشرينيات، تنمّر أحدثهم عمرا على نفسه وأثار ضحك المحيطين وهو يحمل كيسا هزيلا من الكتب غالية السعر تلك التي عاد بها راضيا بعد رحلة الشتاء إلى معرض القاهرة للكتاب.
فجأة تسربت رائحة دخان غريبة وموسيقى صاخبة لجلسة الكتّاب؛ كان صبية في المرحلة الإعدادية يتشاركون منضدة ملاصقة بالمقهى، وقد ظلوا يتراقصون على وقع كلمات شعبية متدنية يزهو صاحبها بحمل السلاح وتعاطي المخدرات، وبالطبع حين بادر أحد الكتّاب بنصيحتهم تعرض فورًا لـ”قصف جبهة” وعاد “المحترم” لجلسته متمنيا فقط لو يجلس وزراء الثقافة في الشارع المصري ليعرفوا كم يحتاج إليهم!

تتكرر تلك الحكاية كل يوم في شوارع المحروسة البعيدة عن عاصفة الجدل التي نشبت بين المثقفين بمجرد رحيل وزير الثقافة السابق ضمن التعديل الوزاري. كان فريق يثمن إنجازات تحققت مؤخرا كتسجيل التراث ودعم حملة المدير المصري لليونيسكو أو افتتاح مقار جديدة لقصور الثقافة، ووصولا لسمات الوزير الشخصية التي جعلته قريبا من المبدعين، لكن على طرف آخر ظل هناك من ينظر للصورة ككل ويختصرها في سؤال: أين المشروع والرؤية التي يشعر بها المصريون؟.. وعن هذا السؤال يجيب عدد من كتّاب مصر في السطور التالية

صدّق أنك وزير!
قبل أعوام، تساءلت الكاتبة هالة فهمي عن وزارة الثقافة وإذا ما كانت “زائدة دودية” يمكن ببساطة استئصالها دون أن يشعر المصريون؟! العبارات صادمة لكن منبعها الألم من تدني ميزانية الثقافة وغياب الرؤية عن وزراء تولوا حقيبتها. واليوم تقول “فهمي” وهي صاحبة مؤسسة مصرية معنية بالتنمية الثقافية، أن بلدنا لم تعالج الزائدة بل تركت التهابها يتفاقم ويهددنا.

تتساءل “فهمي”: هل دور الوزير حضور المهرجانات يوميا، ودون أن يهنأ بوقت للتفكير في رسم خريطة السياسات الثقافية ومتابعتها؟، ودون اقتحام بؤر الفساد وتفكيك شبكة الشللية في الجوائز والمناصب؟، أو التفكير في تقديم مشروع ثقافي حقيقي يدخل كل بيت؟

لقد عادت الروائية المصرية قريبا من رحلة إلى لندن، واستمعت في الطائرة لما يقوله الأجانب عن مصر والمتحف الكبير وعظمة حضارتنا. كانت تشعر بالزهو حقًا، وتتعجب من عدم استثمارنا هذا الزخم الحضاري والتخبط في أداء مشروعاتنا الكبرى ومنها مكتبة الإسكندرية، ومشروع الدولة في الترجمة جسر التواصل مع العالم.
تقول الكاتبة هالة فهمي: أحيانا أتصور أن الوزير يحتاج لتصديق دوره؛ ولقد أصيبت الكاتبة بالذهول حين أحال الوزير السابق شكوى من أعضاء اتحاد الكتاب لرئيس الاتحاد نفسه! ثم حين لم يمارس دوره في الحفاظ على المقر الدائم لاتحاد كتاب مصر والمهدد بالضياع، وهو ما يجعلنا أمام مشهد وزارة لا تدرك عمق أهميتها وتأثيرها.

مشروع الدولة
بلهجة حاسمة، يرى الكاتب الصحفي محمد الشافعي أن مصر لم تعرف مشروعا ثقافيا حقيقيا إلا في عهد وزيرين؛ ثروت عكاشة مؤسس وزارة الثقافة الذي استدعاه عبد الناصر من حياة الدبلوماسية وألح عليه ليتولى الوزارة، فقام بتأسيس أعمدة حياتنا الثقافية ومنها هيئة الكتاب والمسرح وقصور الثقافة وأكاديمية الفنون، ثم استمر وهج هذا المشروع وأصبحت له روافد جديدة مع عهد الوزير فاروق حسني. أما الوزيرة الجديدة فيرى “الشافعي” أن اختيارها يظل محل أسئلة خاصة بعد عدد كبير من المخالفات التي اتهمت بسببها بتهم مالية وإدارية خلال توليها أكاديمية الفنون بروما، وأخرى تتعلق بالملكية الفكرية في كتبها.

لقد عانت مصر من وزراء تسيير أعمال بعد الثورة، وصحيح أن لدينا استثناءين كبيرين وهما الدكتور عماد أبو غازي وجابر عصفور؛ لكنهما أيضا توليا فترة قصيرة مشحونة بالحراك الثوري، وإن كان يحسب للأول أنه استطاع تجديد دماء الأعلى للثقافة.
لكن وبوجه عام؛ يرى “الشافعي” أن نجاح وزارة الثقافة مرتهن بمشروع قومي حقيقي أسوة بما جرى في الستينيات؛ وقتها سنرى صناعة للسينما والمسرح، وتدخل الدولة في تسعير الكتب، ونرى مشروعات كبرى مثل “مكتبة الأسرة”، ومشروعات تربط السياحة والثقافة، وعودة الروح لقصور الثقافة التي تعد شريانا لبث التحضر أمام تيارات العنف والجريمة والتردي من حولنا.

حصاد الغياب
يلتقط الروائي أحمد قرني الخيط ويؤكد أن إغلاق بيوت الثقافة كشف حجم القصور في رؤية الحكومة لأهمية الثقافة؛ فهل نلغي الوحدة الصحية في قرية نائية لأنها تعاني التصدع؟ وهل نعجز كوزارة عن الاستعانة بشباب المبدعين النابهين لإدارة تلك البيوت والقصور لقاء مكافآت مقبولة؟! وهل يعقل أن نظل في نظام انتداب مؤقت لأساتذة الجامعات لإدارة مؤسسات الثقافة، فيصبح ولاؤهم دائما للوزير وقراراته ورؤيته!

واليوم – يتابع قرني- نحصد غياب الرؤية في ملفات كثيرة؛ منها تداخل مهام هيئات الثقافة؛ فالمجلس الأعلى للثقافة يقيم ندوات كان يفترض أن تقيمها قصور الثقافة، ويترك مهمته الأصلية باعتباره عقل الأمة المصرية، كذلك نرى غياب الرؤية في مشروع النشر مع غياب لمعايير اختيار رؤساء السلاسل.

ويتفق الروائي المصري أحمد الملواني مع الرؤية السابقة؛ خاصة وأن الوزير السابق بعد أن أشاع أنه تراجع عن قرار إغلاق بيوت الثقافة المستأجرة، ثبت لاحقا أن قراره بالغلق كان قيد التنفيذ على الأرض، وأن توصية صدرت مؤخرا بإلغاء قرار الوزير وعودة الموظفين لأماكن عملهم. وهنا يتساءل الملواني عن سر حملة البكائيات بعد رحيل الوزير الذي أهدر بيوت الثقافة متنفس الأقاليم.

بناء الإنسان
من جانبه، يؤكد الروائي  علي حسن أن وزارتي الثقافة والتعليم هما خط الدفاع الحقيقي عن الإنسان المصري؛ وللأسف فإن أوضاعهما متردية للغاية، بل إن الحكومة اختارت وزيرة جديدة تحيطها تهم أثبتتها المحكمة تتعلق بانتهاك حقوق الملكية الفكرية.

ويرى الكاتب المصري أن المهلة التي قضاها الوزير السابق كانت كافية للتغيير؛ فطه حسين عميد الأدب العربي أحدث نقلة كبرى في التعليم والثقافة في ثلاث سنوات فقط وترك لنا الطريق للنهوض في “مستقبل الثقافة”. ويتساءل “حسن”: أين بروتوكولات التعاون بين الوزارات المعنية بالإنسان، واين برامج الإعلام التي تبث روائع الإبداع والفكر بدلا من التريند؟ وأين دعم المبادرات المستقلة؟
أما أصل الداء بحسب الروائي المصري فهو أن كثيرا من الكتاب والنقاد اليوم يبحثون عن الدولار والدينار ورضاء أصحابهم أيا كان مستوى النصوص، ولذا لازلنا ننتظر دورا ملموسا للوزارة في تكريم العقول والمبدعين وفتح المسارات لحياة ثقافية حقيقية؛ فنحن شعب ينهض بأقل فرصة تتاح له وقد حولنا الهزيمة لنصر في ست سنوات فقط كانت كفيلة ببعث كوامن حضارتنا.

إنقاذ ثقافة مصر
يتفق د.محمد عبد الباسط الناقد الأدبي في أن نجاح وزارة الثقافة مرهون ليس بالأرقام الجوفاء وإنما بتحقق الأهداف في واقعنا؛ ونظرة على أسعار الكتاب وأحوال السينما والدراما تخبرنا بأزمة كبيرة للثقافة، صحيح أن ميزانية الوزارة هزيلة وأن 70% منها تلتهمها الأجور، لكن حلولا جادة كان يمكنها أن تنقذ الثقافة وأبسطها الاستفادة من الشراكة مع قطاعات السياحة والآثار.

ويشير “عيد” إلى أن قاطرة الثقافة حين تنطلق تتحول لكائن حي في كل قرية وشارع، فلا يعقل أن نظل جوائز الدولة هزيلة ماديا بهذه الدرجة، ولا يعقل أن نفتقد للملتقيات والجوائز العربية التي تنطلق من القاهرة وتدعو المفكرين والمبدعين لتعود لمصر بحق قوتها الناعمة الحضارية.
أخيرًا ترى الروائية ياسمين مجدي أن مصر لا تحتاج لوزير يقص شريط الافتتاح ويقف على المسرح لمنح الجوائز، بل وزير يجعل الثقافة قضية شارع، ومنافذ الكتب قريبة من الناس ويفتح السبل أمام المبدعين. وحين تصبح الكتابة والقراءة برنامجًا مفعلًا في مناهج التعليم، سيتفاعل المصريون مع النصوص الأدبية.

أما الأجيال الجديدة التي لا تعرف الكتاب؛ فدور الوزارة هو التواصل معهم في مدارسهم وجامعاتهم، وتفعيل المنصات الإلكترونية للثقافة.. هنا تتحول الثقافة من المهرجانات والغرف المغلقة وتهبط إلى الشارع لترتقي بالوطن والناس.

اقرأ أيضًا: إدوار الخراط الرائد الذي رسخ الحساسية الجديدة

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14345

موضوعات ذات صلة

الزراعة تدعم مطروح بتقاوي وآبار وتحسين للثروة الحيوانية

عمر عزوز

قرية حلوة بالمنيا.. نموذج حي لترسيخ ثقافة التسامح

حازم رفعت

روجينا تعود للدراما الإنسانية في “حد أقصى”

حسن عبدالعال

لماذا تراجع الدور الرقابي لمجلس النواب؟

غادة سعد

ريمونتادا مصرية تشعل بداية أمم إفريقيا

محمد عطا

تكاتف الدولة والقيادات الدينية حول صحة البابا تواضروس 

حازم رفعت