
بين أروقة الفكر ومتاهات النفس، تبزغ أسماء أدبية تحمل في جعبتها الكثير من التساؤلات. الشيماء رجب الشرقاوي كاتبة استطاعت أن تحول صراعاتها الداخلية وتأملاتها في الزمن إلى نص أدبي عميق؛ فالكتابة بالنسبة لها ليست مجرد رص للكلمات، بل هي معركة واعية مع الفقد، ومحاولة نبيلة لاستعادة ما سرقه الزمن.
توج إيمانها بضرورة الاستمرار، وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فن، بنيل جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، في مجال الرواية للشباب، عن رواية “ترنيمة عصفور أزرق”. التقت بها صوت البلد، وكان معها الحوار التالي:
نيل جائزة محطة فارقة في مسيرة أي كاتب؛ كيف انعكس هذا التقدير على تجربتكِ؟
تعد جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب فخرًا لكل كاتب، فهي وسام استحقاق يؤكد جودة العمل ويمنحه مكانة بارزة على الساحة الأدبية. أهدي هذا الفوز لمن شاركوني عناء الرحلة أثناء كتابة “ترنيمة عصفور أزرق”؛ لعائلتي، وتحديدًا لوالدتي، الدافع والملهم الأول في كل خطوة أخطوها في حياتي.
المتاهات الفكرية
بين الواقع المعاش والخيال الفني، من أين تتسلل شرارة الكتابة الأولى إلى مخيلتكِ؟ وما المحفزات التي تجعل أفكاركِ تأخذ شكلها النهائي؟
تظل الأزمات والمتاهات الفكرية هي المنبع الأساسي الذي يدفعني لصياغة أفكاري. أما بشكل عام، فأنا أستلهم من الأحداث المحيطة، ومن الفنون بمختلف أشكالها؛ فأحيانًا تأسرني مقطوعة موسيقية، أو لوحة تثير التساؤلات، وبالتأكيد الطبيعة، فالبحر بالنسبة لي يمثل ثنائية الحيرة والإلهام في آن واحد.
يحمل عنوان “ترنيمة عصفور أزرق” جرسًا موسيقيًا لافتًا؛ فما هي الشفرة الفلسفية التي أردتِ فكّها من خلاله؟
العنوان يجسد تلك اللحظة التي تهمس لنا فيها ذكرى عذبة، ثم يعلو صوتها بداخلنا لتحلق بقلوبنا نحو لحظات عصية على النسيان. هو الإيمان بأن ما مررنا به من سعادة يكفي لنحيا به بقية العمر. هذا تحديدًا ما يعين بطلة الرواية “مريم” في معاناتها، بالإضافة إلى دلالة رمزية خاصة في مخيلتها.
سيكولوجية اللون
اللون في الأدب ليس مجرد وصف، بل هو لغة قائمة بذاتها؛ لماذا هيمن “الأزرق” على فضاء الرواية؟
الأزرق هو لون الصفاء والجمال، ويرتبط في ذهن البطلة بأجمل ذكرياتها. وكان اختيارًا مقصودًا ليعكس رؤيتها للعالم، ويتماشى مع قناعتي الشخصية بما يليق بهذه الشخصية وتجربتها.
تخوض الرواية في صراع إنساني أزلي مع الوقت؛ فما القضية التي أردتِ تسليط الضوء عليها؟
الرواية عمل اجتماعي نفسي في جوهره، تناقش صراعًا عبثيًا مع الزمن. القضية الأساسية هي “المعركة مع الساعات”، مع الفقد، ومع تلك المخاوف النفسية التي تطاردنا جميعًا وتدفع أحداث الرواية للأمام.
الرهان على ذائقة الشباب اليوم يتطلب أدوات خاصة؛ كيف استطعتِ ملامسة واقعهم وتطلعاتهم في نص لا يزال مخطوطًا؟
بما أن الرواية لم تُنشر بعد، فأنا أتطلع لمعرفة آرائهم، لكني أثق في وعي الشباب الثقافي الحالي. أتوقع أن تجذبهم الأزمات الإنسانية للشخصيات الفرعية وقدرتهم على التفاعل معها. نحن جميعًا ننجذب لما يشبهنا ولما يلامس تفاصيل حياتنا اليومية، وهذا تحديدًا ما يبرز في ثنايا الرواية.
أبطال يشبهوننا
أبطال روايتكِ ليسوا مجرد شخصيات ورقية؛ فكيف صهرتِ ملامحهم ليكونوا مرآة تعكس أزمات اجتماعية ونفسية؟
الأبطال يشبهوننا تمامًا في أزماتنا الاجتماعية، ومن خلالهم نستطيع رؤية تلك الأزمات بوضوح أكبر، ونتعلم كيف نتعامل معها، وكيف تتبدل رؤيتنا لها مع مرور الوقت.
يقال إن الكاتب يتألم مع شخوصه؛ ما اللحظات التي جعلتكِ تترددين طويلًا قبل وضعها على الورق؟
كانت لحظات “الفقد” هي الأصعب. كنت أتردد كثيرًا عند الوصول لنقاط فاصلة في حياة الأبطال؛ فرغم أن النص حاضر في ذهني، ولكنني كنت أخشى عبء الشعور الذي سيعيشونه. كنت أعاني معهم، وأعيد الكتابة مرارًا لأتأكد من أنني نقلت المعاناة بصدق يماثل الواقع.
مساحة للشفاء
لو كان لـ “ترنيمة عصفور أزرق” أن تتحدث بلسان حالها في جملة واحدة، فأي اقتباس تختارين ليكون هو “النبض” المعبر عن العمل؟
هذا السؤال يثير حيرة كبيرة، ولكنني سأختار ما قفز لذهني الآن: “ما زلتُ أطارد الكلمات وحبَّات الرمل تترقب غفلتي لتفرَّ سارقة بعض الذكريات.. هاربة عبر الممر الضيق إلى النصف الآخر من الزمن المنقضي”.
في ظل تحديات العصر، ما رسالتك للمبدعين الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى؟
رسالتي هي الاستمرار والمحاولة في شغفهم رغم أي إحباط. الفشل والإحباط مشاعر إنسانية طبيعية، يجب أن نسمح لها بالظهور ونعطي أنفسنا مساحة للشفاء منها، ثم نواصل المحاولة بلا حدود.
بعد أن غرد عصفوركِ الأزرق في عالم الرواية، أين ستحط رحالكِ الإبداعية القادمة؟
أركز حاليًا على إنجاز عمل مسرحي يقع ضمن إطاري المفضل “الإطار النفسي الذي يحمل لمحات فلسفية”.
اقرأ أيضا:
هناء متولي: هكذا تتحول الغرفة الضيقة لأفق للتنفس
الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال
