ثقافة وأدب

بوح الذات في “فراشات وأشياء أخرى”

 

يأتي ديوان “فراشات وأشياء أخرى” ليمثل محطة فارقة في تجربة الشاعرة عبير عارف، حيث تصفه بأنه محاولتها الثانية لتقديم صوت شعري يتسم بالنضج والتوازن، فبعد ديوانها الأول “صدفتنا الجميلة”، انطلقت “عارف” في رحلة واعية لإعادة صياغة أدواتها الفنية، ميممةً وجهها شطر الشكل الخليلي التقليدي، لتثبت أقدامها على أرض العروض واللغة دون أن تتخلى عن جوهر تجربتها المتمثل في “الصدق الشعوري”

يستهل القارئ رحلته في ديوان “فراشات وأشياء أخرى” للشاعرة عبير عارف بمواجهة عتبة نصية لافتة؛ فالعنوان ليس مجرد توصيف للمحتوى، بل هو إعلان عن صراع جمالي بين عالمين؛ فمن خلال ثنائية “الفراشات” بما تحمله من دلالات التحليق والشفافية، و”الأشياء الأخرى” بما تمثله من ثقل الواقع وتفاصيله المادية، تنسج الشاعرة نصاً يراوح بين الحلم واليقظة.

ومن رحم هذه الثنائية، تبرز “الفراشة” كقناع شعري ومعادل موضوعي لذات الشاعرة؛ فهي ليست مجرد كائن جمالي، بل رمز للانعتاق من قيود الراهن. غير أن هذا التحليق لا ينفصل عن المخاطرة، حيث تحضر الفراشة في قصائد عارف ككائن يغالب الهشاشة ويبحث عن الضوء حتى لو كان الثمن هو الاحتراق، وهو ما يعكس رغبة الشاعرة في ملامسة المطلق رغم إدراكها لزمنية اللحظة وعجزها.

وهذا العجز هو ما يقودنا مباشرة إلى الشق الثاني من العنوان، حيث تنهمك الشاعرة في رصد “الأشياء الأخرى” التي لا تقل أهمية عن الفراشات. هنا، يتحول الشعر إلى عدسة مكبرة تلتفت إلى المهمل والعادي، فتستنطق الشاعرة زوايا الغرف، والذكريات المترسبة، والتفاصيل الصغيرة التي تشكل الهوية الإنسانية. إنها لا تكتفي بالتحليق، بل تعيد الاعتبار للواقع عبر تحويل اليومي والمعاش إلى مادة شعرية نابضة بالمعنى.

وفي إطار هذا السعي نحو الانضباط الموسيقي، جعلت الشاعرة من “البحر البسيط” ركيزة أساسية لمعظم قصائد الديوان، مثل “بريق الماسة” و”عمر ويمضي”؛ وذلك لإيمانها بقدرة هذا البحر على احتواء الانفعالات العاطفية العميقة والحركة الهادئة للذات. ولم تكتفِ بذلك، بل نوعت في فضاءاتها الإيقاعية بين “بحر الرمل” بنعومته وانسيابه، و”بحر المجتث”، وصولاً إلى تجريب بحور أقل تداولاً، رغبةً منها في التقاط إيقاعات مغايرة تتماشى مع الحالة الوجدانية لكل نص.

تنوع إيقاعي

هذا التنوع الإيقاعي ارتبط ارتباطاً وثيقاً باختياراتها للقافية، حيث لم تكن القافية عندها مجرد نهاية صوتية، بل أداة لخدمة المعنى والجو العام للقصيدة؛ فبينما التزمت بالقوافي الموحدة في النصوص الطويلة لتعزيز التأمل، مالَت في قصائدها القصيرة نحو القافية المفتوحة التي تمنح النص مرونة أكبر، مما سمح بتوثيق “اللحظة الوجدانية” الخاطفة وتصويرها دون قيود موضوعية جامدة.

وبالنظر إلى البناء الكلي للديوان، نجد تنوعاً ثرياً في القوالب الفنية؛ إذ يضم أكثر من أربعين نصاً تتراوح بين القصائد الطويلة ذات البناء شبه القصصي كما في “موعد مع الشمس”، وبين قصائد “الومضة” التي تسجل الانفعال اللحظي. كما تبرز في الديوان مسارات موضوعية مختلفة، تبدأ بالمناجاة الروحية في قصيدتي “توبة” و”حديث العفو”، وتمر بالخطاب الوجداني المباشر، وصولاً إلى قصائد تحتفي باللغة العربية وتاريخها كما في “لغة لها تاريخ”.

ولكي تكتمل هذه الرؤية بين الخفة والواقعية، كان لزاماً أن تتخذ الشاعرة من التكثيف اللغوي منهجاً لها. فجاءت بنية القصائد مائلة إلى “الومضة” والاقتصاد في الكلمات، وكأنها تحاكي في أسلوبها سرعة حركة الفراشة ذاتها، إذ إن هذا الاختزال البلاغي لم يأتِ لغرض الزينة، بل لخدمة الصدمة الشعورية، حيث تترك القصيدة أثرها في نفس القارئ كأثر الغبار الملون الذي تتركه الفراشات على الأصابع بعد رحيلها.

تصب هذه العناصر جميعاً في مجرى النزعة الإنسانية التي تغلف الديوان؛ إذ لا تبحث عبير عارف عن ترف لغوي، بل تسعى لتقديم إجابات (أو ربما تساؤلات إضافية) حول الوجود، وصراعات المرأة، وقلق الفقد؛ ليقف الديوان في الختام كشهادة أدبية تؤكد أن الشعر هو الجسر الوحيد القادر على الربط بين رقة “الفراشات” وغلظة “الأشياء الأخرى”، محولاً التناقض إلى وحدة فنية متناغمة تليق بروح العصر، وتلبي طموح الشاعرة في تقديم صوت ناضج ومتوازن.

صدق العاطفة

وأوضحت “عارف” ا لـ”صوت البلد”، أنها سعت في هذا العمل إلى إحداث توازن دقيق يجمع بين رصانة الوزن التقليدي وعذوبة اللغة البسيطة، مع الالتزام التام بصدق العاطفة وعمق التجربة الجمالية. كما أعربت عن أملها في أن يلمس القارئ هذا التطور الملموس في أدواتها، وأن تجد قصائدها صدىً في وجدان المتلقي وتجاربه الخاصة.

وبشجاعة نقدية لافتة، لم تنفِ الشاعرة عبير عارف احتمالية وجود بعض التعثرات العروضية الطفيفة في أوزان أو قوافي بعض الأبيات، معتبرةً ذلك أمراً طبيعياً في بواكير التعامل مع البحور الخليلية، خاصة حين يطغى تدفق الصورة الشعرية وتسارع الخيال على صرامة التفعيلة.

وأكدت “عارف” أنها أولت مراجعة القصائد وضبطها عناية فائقة، انطلاقاً من رؤيتها للديوان بوصفه “تدريباً طويلاً” ومكثفاً لا يهدف لنشر نصوص متفرقة فحسب، بل يهدف إلى التمكن من أدوات القصيدة وإحكام بنائها الفني من مطلعها إلى ختامها دون أن تفقد توازنها.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12714

موضوعات ذات صلة

شاهيناز الفقي لـ”صوت البلد”: الرواية عالمي الأرحب

أيمن مصطفى

فنجان قهوة بـ7 جنيه.. الأدب يواجه التشظي

أيمن مصطفى

بطولات أكتوبر الميدانية تضئ معرض الكتاب

المحرر

لنا عبد الرحمن: الموت حضر بأكثر من وجه في أعمالي

المحرر

هدى بركات تروي العلاقة المعطوبة بين أم وابنتها المشوهة

المحرر

رحلة للمنابع .. كيف تطورت العربية من جذورها السامية؟

المحرر