ثقافة وأدبسليدر

ستنا فاطمة وباب المحبة المفتوح في قلب مصر

مسجد السيدة زينب – القاهرة

كل من يعيش في مصر تطاله حتمًا نسائم شجرة المحبة الراسخة لآل البيت النبوي، والتي يرويها المصريون بدموع أشواقهم وبطيب ذكرهم لسيرتهم العطرة؛ وهي “المودة في القربى” التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وهي الوصية الأخيرة لنبينا الخاتم والذي تكتمل محبته من باب آل البيت.
مؤخرًا طفت عبر صفحات التواصل عبير تلك المحبة لبنت النبي السيدة فاطمة التقية الورعة وأم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجاء تأكيد المحبة بعد جدل أثارته خطبة العيد الرسمية والتي ألقاها الشيخ د.سيد الباري، والمذيّلة بصيغة يتوسل فيه الإمام بمحبة السيدة فاطمة وزوجها سيدنا علي وبنيّها، رضوان الله عليهم، وبـ”السر الكامن فيها”، بألا يجعل الله حاجة لمصر عند لئيم من خلقه، في إشارة لأجواء المنطقة الملغمة بالصراع.

المسجد النبوي وباب فاطمة – المدينة المنورة

وبعيدًا عن الجدل ذاته حول صيغة الدعاء، وهل لها أصل بأوراد السنة المتصوفة أم تستند لتراث الشيعة بحسب الشائع عنها؛ فقد ارتقى المصريون لما هو أبعد في مشهد الحاجة التي تستعد لزيارة المسجد الحرام وتنشد في بهجة: “فاطمة يا فاطمة يا بنت نبينا .. افتحيلنا الباب يا فاطمة دا أبوك دعينا”.
وبهذا الحب ارتبطت نساء مصر بالسيدة فاطمة وأصبح اسمها متداولا بين الفتيات، وصنعت الجدات كفوفا صغيرة منقوشة تحمل اسمها لحماية الصغار من الحاسدين.

باب المحبة
ما تزال أضرحة آل بيت النبي في ربوع مصر وفي رحاب القاهرة، شاهدا على عمق تلك المحبة الخاصة بين المصريين وآل البيت الكرام والتي عرفها الإمام الشافعي رحمه الله حين عاش هنا وسمع تكبيرات العيد فاستحسنها وظلت عنوانا لصباحات عيدنا.
ساهمت الطرق الصوفية في تجذير تلك العلاقة بين المصريين وآل البيت عبر أشكال الذكر والحضور الروحي لسيرتهم. ومعروف أن مصر قد احتضنت أحفاد السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم حين اضطهدهم الأمويون، وقالت بنت عباس للسيدة زينب (يا بنت بنت رسول الله اذهبي إلى مصر فإن فيها قوم يحبونكم في الله ولقرابتكم من رسول الله ) ..وبالفعل استقبل المصريون السيدة زينب بكل الحب ودعت لهم قائلة: (نصرتمونا نصركم الله)
وخرج أهل مصر مرحبين بمقدم السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور وحفيدة السيدة فاطمة، وتبركت القاهرة بحضور سيدة العلم والتقوى والتي عاشت فيها وارى جثمانها الطاهر التراب فيها..
وبوجه عام تظل مراقد آل البيت الكرام في مصر والتي منها كذلك مقام كل من السيدة رقية وسكينة وعائشة وعاتكة ومقام زين العابدين ومقام سيدنا الحسين رضي الله عنهم جميعا، تظل تلك المقامات ملاذ المصريين في أفراحهم وأتراحهم؛ تقصده من تنتظر أن يرزقها الله بطفل أو أن يشفى ولدها وتتزوج ابنتها ويقصده من غلبته الحياة أو من أراد أن يشكر نعمته.

زينات وذكر وصدقات
أشار المؤرخ المقريزي إلى علاقة المصريين بمساجد آل البيت وأنها ليست مجرد أضرحة بل مراكز دينية واجتماعية، وهو ما كتبه الجبرتي عن مولد الحسين بن علي فيقول” ويعمل فيه من الزينات والنور ويجتمع الناس من كل فج وتكثر الأطعمة والصدقات”. ولاحظ علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية أن لساحة السيدة زينب ومشهدها “حرمة عظيمة في قلوب أهل مصر”.
وفي زمن الاحتلال الإنجليزي ومن بعده العدوان الثلاثي ونكسة يونيو ووصولا لنصر أكتوبر وكل الملمات الوطنية كان المصريون يهرعون لمساجد آل البيت وكانهم يطلبون من الله العون في ساحة أقرب البشر إليه.

سيدة نساء العالمين
بالعودة للسيدة فاطمة فلقد كانت لسيرتها خصوصية شديدة في حياة الأمة الإسلامية.. يقول العقاد في كتابه البديع “فاطمة الزهراء والفاطميون” أن السيدة فاطمة شكلت أيقونة المرأة “البتول” ذات القدسية، تماما كما كانت السيدة مريم العذراء. وقيل بأنها سُميت الزهراء كونها تزهر لأهل السماء كما تزهر النجوم للأرض.

لم يأت ذلك من فراغ؛ فعن النبي صلى الله عليه وسلم بوصف سيدات نساء الجنة: حَسْبُك مِنْ نساءِ العالَميَن أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفَاطِمَة..
كانت للسيدة فاطمة مكانة خاصة عند النبي وهي ابنته من أولى زوجاته السيدة خديجة – رضي الله عنها – ومنها وحدها يمتد نسل النبي المبارك؛ وروي عن أبي ثعلبة الخشني «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ثم يثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه».
ولدت السيدة فاطمة في السنة الخامسة قبل البعثة النبوية في مكة، لأبوين لم تجد البشرية بمثلهما في الحنان والتقوى.وعايشت الزهراء وهي طفلة حصار المشركين للمؤمنين الأوائل في شعاب مكة لثلاث سنوات وحرب التجويع القاسية، وما أعقبها من رحيل أمها السيدة خديجة رضوان الله عليها، ومنذ ذلك الحين و”فاطمة” هي “أمّ أبيها” كما كان يحب النبي أن يلقبها؛ تطيّب جراحه بعد المعارك وتتفقده دائمًا ولا يطيب خاطرها إلا برؤيته.

أصحاب الكساء
تزوجت السيدة فاطمة بأمر إلهي من ابن عم النبي، عليّ كرم الله وجهه، وقد أصدقها درعه فقبله النبي، ودعا النبي بأن يكون نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة.
وأنجب سيدنا علي من السيدة فاطمة أبناءه الحسن والحسين في السنتين الثالثة والرابعة من الهجرة على التوالي، ثم أنجبا كل من زينب وأم كلثوم. كانت حياتها بسيطة شديدة التقشف والزهد حتى أمرها النبي بقول التسبيحات والذكر ليأتيها العون.
كان النبي يتألم لما يؤلم ابنته وقال لعلي بن أبي طالب: ” والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله، وإنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها” فترك عليّ الخطبة رعاية لها.
وقد ورد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جمع تحت كساء (غطاء) أربعة غيره وهم : علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وولديهما الحسن والحسين، ودعا لهم: اللهم هؤلاء أهل بيتي؛ فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا”.
وبلغت محبة النبي بحفيديه الحسن والحسين مبلغا عظيما؛ وكان يؤذيه بكاؤهما وتطربه ضحكاتهما، فيدلل الطفل منهم ويلاعبه حتى تعلم الصحابة منه العطف على صغارهم.

قوة فاطمة
تعلمت فاطمة من أدب النبوة وفهمت أن آل محمد ليسوا استثناء إلا بتقواهم، وقد أخبرها النبي الأمين: ” .. يا فاطمة بنت محمد ، إني لا أغني عنك من الله شيئا .. “
كانت قوة شخصية السيدة فاطمة قد دفعتها للتمسك بحق زوجها عليّ كرم الله وجهه في الخلافة، ولكن عليا فوّت الفرصة التي أرادها البعض لزرع الفتنة بين الصحابة وأقر بإمامة صاحب رسول الله أبو بكر الصديق ومن بعده ابن الخطاب وابن عفان ثم قبل الخلافة في زمن الفتنة.
كانت فاطمة إلى جانب ذلك بليغة، ومما يؤثر عنها حين غضبت من حرمانها ميراثها في فدك، فانحرفت إلى قبر النبي ﷺ وهي تقول:
قد كان بعدك أنباءٌ وَهَنْبَثَةٌ لو كنت شاهدهم لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

شمس لا تغيب
تحققت نبوءة النبي التي تبسمت لها الزهراء حين همس لها بها في ساعة احتضاره؛ كونها ستكون أول من يلحق به. لقد فاضت روحها الطاهرة إلى عليين بعد رحيل المصطفى بستة أشهر فقط. وهي من بكته بحرقة وأنشدت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه.
حين حان الأجل للقاء الله، كانت السيدة فاطمة الزهراء من أولى النساء اللاتي حملن على نعش، وكانت وفاتها، ليلة الثلاثاء سنة إحدى عشرة للهجرة، ودفنت في المدينة المنورة إلى جوار النبي.
كان هذا الباب من المحبة هو وحده السر الذي عرفه المصريون وظل مرتبطا بآل البيت جميعا يحبونهم دون مغالاة ولا تشيّع مذهبي .. ويشعرون بأن مصر محمية ببركة آل البيت المنتسبين لقبس النبوة الخالد. وصدق الشاعر محمد إقبال حين كتب: المجد يشرق من ثلاث مطالع.. في مهد فاطمة فما أعلاها! هي ومضة من نور عين المصطفى.. هادي الشعوب إذا تروم هداها.

اقرأ أيضا: رمضان.. مَرافئُ السكينة وتجليات العبور الروحي

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15750

موضوعات ذات صلة

مؤلف ومخرج وحرامي يشعل السوشيال ميديا

مي صلاح

الحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد

ضاحى محمود

لقاء قمة المحبة يجمع قطبي الكنيسة بقلب القاهرة

حازم رفعت

كيف تحمي أسرتك من مخاطر العواصف الترابية؟

أيمن مصطفى

برلمانية تطالب بكشف أسباب خصم ٣٠٪ من راتب معلمي الحصة

المحرر

أول رسالة ماجستير لمصاب بمتلازمة داون

المحرر