
بين عذوبة مياه البرلس وقسوة الأيام التي نحتت ملامح الصبر، يطل الشاعر سعيد شحاتة في هذا الحوار، ليس فقط كفائز بجائزة أدبية مرموقة، بل كابنٍ بارّ استطاع أن يحول الوفاء إلى قصائد، والوجع إلى جدارية فنية خالدة.
في ديوانه الأخير، لم يكن سعيد شحاتة يكتب مجرد أبيات من شعر العامية، بل كان يشيّد معبدًا لذكرى والدته “فريدة”؛ تلك السيدة التي اختصرت في كفاحها قصص نساء مصر الصابرات. ويفتح الشاعر قلبه ليتحدث عن سر “الخلطة” الإبداعية التي جعلت من رحيل الأم ميلادًا جديدًا للنص، وعن انحيازه للغة الشارع التي كانت الجسر الذي عبرت عليه مشاعره لتصل إلى قلوب البسطاء قبل المثقفين.
وفي السطور التالية، تسير صوت البلد مع سعيد شحاتة في رحلة بدأت من طرف جلباب قروي بسيط، ووصلت إلى منصات التتويج، بنيل جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مجال شعر العامية، باحثين عن السر الذي جعل “فريدة” ليست مجرد اسم لعنوان، بل هي الروح التي كتبت القصيدة واليد التي مسحت دموع الشاعر حين خنقه الغياب.
حين يقترن الفوز بالقيمة المعنوية، لمن يفتح الشاعر قلبه بالامتنان؟ وما الذي أضافته هذه الجائزة لرحلة إنصاف (الحاجة فريدة)؟
في البدء، الإهداء لصاحبة الفضل الأول.. أمي “الحاجة فريدة”، ولزوجتي وأبنائي. أما الجائزة في ذاتها، فلها قيمة معنوية هائلة لسببين: الأول أنها أنصفت أمي، تلك السيدة العظيمة التي ضحت بكل شيء من أجلي، وسلطت الضوء على تجربة كفاح قاسية لامرأة انقطعت لتربية طفل لم يملك من الدنيا سواها، ولم تملك هي غيره. الجدارية هي تأريخ لهذا الوجع، لذا أشفق على من يقتنيها من ثقل ما تحمله من معاناة.
أما السبب الثاني، فلكونها جائزة مصرية، وهذا مبعث فخر كبير؛ فكل تتويج مصري هو شهادة نجاح في اختبار صعب وسط قامات إبداعية كبيرة. هذا الديوان ليس ملكي، بل هو ديوان فريدة التي كانت تسكن حروفي وهي بجانبي، وهي الآن تُكرم أمام أعين كل من خذلها، لتثبت أن فريدة وكل سيدة مصرية صابرة تستحق الإجلال؛ لذلك أشكر القائمين على الجائزة؛ لأنكم بها كرمتم كل فريدة، بشكل يليق بتعبهن وزهدهن وصبرهن ومثابرتهن.
قسوة الأيام
يقول البعض إن العنوان هو عتبة النص، لكنه عندك يبدو كأنه النص ذاته؛ فكيف تشكلت ملامح هذا الاسم في وجدانك؟
لم يكن العنوان وليد الكتابة، بل كانت الكتابة وليدة العنوان. وضعت اسم “فريدة” أولًا، ثم استلهمت القصائد من قسوة الأيام ومرارة الحصار الذي عشته معها وسط الأهل. كانت هي ركني الركين، وكنت أنا عصاها التي تتوكأ عليها. الديوان هو تأريخ لاسمها، وكتابة عنها ولأجلها.
دي أمي
بين غناء الصيادين ببحيرة البرلس وحكايات القرية، من هي الملهمة التي سكنت أوردتك؟ وكيف كانت (فريدة) شريكةً لك في صياغة الحروف رغم رحيلها؟
الحياة بقسوتها هي ملهمي الأكبر، هي المحرك الذي يستفز طاقة الرفض والقلق فينا. نشأت في بيئة صيد ببحيرة البرلس، شربت من غنائها وحكاياتها، وكانت أمي رفيقتي في رحلة الجوع والشبع، والمحاربة والفرح، فكانت تجوع هي حتى أشبع أنا.
حتى بعد رحيلها، شاركتني كتابة هذا الديوان؛ كنت أشعر بلمستها على كتفي، تمسح دموعي بطرف جلبابها القروي وتهمس لي: “هذه الجملة جيدة، وهذه أعد صياغتها، وهذه يمكن استبدالها…”. أتذكر فرحتها حين سألتني عن قصيدة (أمي اللي باعت عفشها): “بتقولها لأصحابك في مصر؟ بتعجبهم؟ أبقى قول لهم دي أمي”.

غلاف الديوان
في المسافة الفاصلة بين الكتابة والواقع، ما اللحظة الأكثر قسوة التي واجهتك أثناء تشكيل جداريتك الشعرية؟
واجهتني أصعب لحظة حين كتبت السطر الأخير؛ آنذاك فقط أدركت أنها ليست هنا، وأنني أكتب رثاءً لا وصفًا لحال قائم. في تلك اللحظة اختنقت بصرخة “أُمّه” التي حبستها في صدري خشية أن يتهمني من حولي بالجنون.
ما الأبيات التي تلخص وجع تجربتك في هذا الديوان، والملاذ الذي تستعيده روحك لتطمئن؟
الديوان كله قريب إلى قلبي، ولكن تمسني بعض الكلمات من قلب الديوان، منها: “وإن يوم عملت في دنيتي حسنات.. اكتبها لأمي يا رب طوّالي”، و”شايل قصايدي بمعلمه وثابت.. وأمي اللي شابت قلبها بيقول: ولا كل من حِبلت يا واد جابت”
أما من خارجه، فتملأ روحي أغاني الصيد والقصائد الإنسانية البعيدة عن النمطية والقوالب الجاهزة. وأكثر ما يردده لساني ليطمئن قلبي هو: “يدبّر الأمر”.
لغة “فريدة”
بين سطوة الفصحى والهجوم على العامية، لماذا اخترت لغة الشارع لتكون صوتك الإبداعي؟ وكيف كان لفلاحي قريتك دور؟
الانتقاص من أي لون أدبي هو نقص في فهم الحياة. الشعر هو الشعر، سواء كان فصحى أو عامية أو نثرًا. من يجرؤ على نفي الشاعرية عن حداد أو جاهين أو الأبنودي! هذه معارك يفتعلها “المرتزقة” فقط.
شخصيًا، بدأت شاعرًا بالفصحى، وكان تحولي للعامية من أجل الناس. أتذكر فلاحًا فصيحًا من قريتي، اسمه عمّ قطب أبو زلاط، قرأت عليه قصيدة فصحى عن العراق، فامتعض وسألني ببساطة: “أمك هتفهم القصيدة دي؟”. ثم حدثني عن نضال لغة الشارع عند نجم والأبنودي. حينها كتبت أولى قصائدي بالعامية وكانت عن صدّام حسين، ورأيت الفرحة في عين أمي لأنها اللغة التي تجيدها وتصل إلى قلبها مباشرة.
بعد أن توجت الجائزة اسم فريدة، كيف ينظر سعيد شحاتة إلى أفقه الشعري القادم؟
أنا رجل يسير بـ “التِّكالة” والاجتهاد، وأؤمن أن القادم رزق. يكفيني من هذا التتويج أن يُنادى اسم “فريدة” في محفل مهيب، أما ما يتبع ذلك من مشاريع، فأترك ترتيبه لصاحب التدبير، ومؤمن أن كل شيء رزق، فقط أحاول وأجتهد وأجرب.
اقرأ أيضا:
بعد فوزها.. الشرقاوي تكشف أسرار “ترنيمة عصفور أزرق”
هناء متولي: هكذا تتحول الغرفة الضيقة لأفق للتنفس
الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال
