ثقافة وأدبسليدر

عاطف يمني:استعدنا كنزًا مفقودًا من التاريخ

عاطف يمني

في أروقة التاريخ المملوكي، حيث يختلط الحبر بعرق الجهد، وتتوارى الكنوز خلف غبار القرون، برز اسم الدكتور عاطف يمني أحمد السيد كواحد من حراس الذاكرة الذين أعادوا بناء التاريخ.

لم يكن فوزه بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في التراث مجرد تتويج لعمل أكاديمي، بل كان تكريمًا لرحلة صبر استمرت ثلاث سنوات، طاف خلالها بين مسودات برلين وكنوز القاهرة؛ ليفك شفرات مخطوط “العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان”، الذي ظل لقرون “حلقة مفقودة” في سلسلة التاريخ المملوكي والعثماني.

وفي هذا الحوار، تغوص صوت البلد مع صائد المخطوطات في كواليس عمله؛ لتكشف كيف تحولت “مسودة مخطوط” إلى وثيقة تاريخية حصدت أرفع الجوائز.

ماذا مثلت لكم لحظة إعلان فوزكم بجائزة أفضل كتاب “تحقيق تراث” في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

مثلت لي تلك اللحظة مزيجًا غامرًا من المشاعر المتداخلة؛ جمعت بين فرح بفضل الله وتوفيقه، وامتنان لكل من مد لي يد العون، وبين الشكر لأساتذتي وزملائي، وللمسؤولين في “دار الكتب”؛ بدءًا من مجلس الإدارة مرورًا بالمراكز العلمية بأقسامها، وصولاً إلى مركز تحقيق التراث بباحثيه، ثم جميع منتسبيها والعاملين بها المخلصين.

وأهدي هذا العمل، إلى روح والدتي رحمها الله. وإلى كل طالب علم في بقاع الأرض، وإلى الباحثين المهتمين بتراجم العلماء والفقهاء في عالمنا العربي والإسلامي.

في ظل الهجمة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، كيف ترى أهمية الجوائز التي تحتفي بـ “التراث” والتحقيق اليدوي الدقيق؟

إن الاحتفاء بالتراث والقائمين عليه ضرورة لا يمكن إغفالها؛ فصون التراث هو ترسيخ للهوية العربية والإسلامية. إن أي أمة تطمح لبناء حاضرها واستشراف مستقبلها، لا بد لها من الارتكاز على ماضٍ عريق تستمد منه قوتها وأصالتها. وتراثنا الإسلامي غني بالآليات والوسائل التي يمكننا استلهامها لمواجهة تحديات الحاضر. كما أن مثل هذه الجوائز تخلق بيئة تنافسية صحية، تحفز المحققين والناشرين على تقديم أقصى درجات الدقة والتوثيق والتحقيق.

الكتاب الكنز

ما الذي جذبك تحديدًا لكتاب النعيمي ليكون مشروعك البحثي؟

كوني باحثًا وأكاديميًا متخصصًا في التاريخ المملوكي، وجدت في النعيمي قامة علمية شامخة وقاضيًا فقيهًا، ومع ذلك لم يصلنا من تراثه التاريخي الصريح سوى كتاب “الدارس في تاريخ المدارس”؛ لذا فإن العثور على هذا الكتاب كان بمثابة العثور على كنز؛ لأنه يمثل النموذج الوحيد المتبقي من كتابيه المفقودين “تذكرة الإخوان بحوادث الزمان” و”التبيين في تراجم العلماء والصالحين”. كما لفت انتباهي ترتيبه للتراجم بناءً على تاريخ الميلاد -باليوم والشهر- لا الوفاة، وهو منهج انفرد به وتميزت به مدرسته الشامية.

الخط المهتز

ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في التعامل مع المخطوطات الأصلية لهذا الكتاب؟ 

الكتاب الذي عملت عليه هو المسودة الأصلية المحفوظة بمكتبة جامعة ليبزج بألمانيا برقم (847 تاريخ)، وهي وثيقة حية ظل النعيمي يكتب فيها قرابة 30 عامًا، مما يجعلها مذكرات معاصرة توثق علماء وملامح عصره، وقد اعتمدت هذه النسخة كأصل لأنها الأقرب إلى عصر المؤلف وتم مقابلها بنسخة أخرى هي نسخة دار الكتب المصرية رقم ( 2193 تاريخ تيمور).

كما واجهتني صعوبات جمة، منها: تعدد الخطوط وتداخلها، فقد احتوت النسخة على ثلاثة خطوط مختلفة، فبعض التراجم كتب بخط الكاتب البقاعي تلميذه بإملاء المؤلف، واستكملت بعض التراجم وكتب تراجم كاملة بعد وفاته بخط ابن النعيمي، وأضاف النعيمي نفسه في أواخر عمره بخط يده بعض أجزاء التراجم الأخرى. وتطلب الأمر استشارة خبراء في الخطوط لتمييز الخط المهتز للنعيمي وهو في الثمانينات من عمره، وفصل إضافات الابن عن أصل الأب.

وكانت الحواشي بالنسخة مكتظة بالتراجم، مما تطلب جهدًا فائقًا في ترتيب النص، واعتمدت على النسخة المصرية في هذا الأمر لأنها أكثر ترتيبًا. كما قمت بجهد بحثي كبير في تتبع طبقة الشيوخ؛ لتحديد الخطوط الفاصلة بين هذه الطبقة وطبقة الأقران التالية فلم يلتزم المؤلف بما قرره في البداية فعنون للطبقة الأولى ولم يعنون للطبقتين التاليتين (طبقة الأقران، وطبقة الأتباع) وهكذا فعلت بين كل طبقة، وإعادة تبويب الكتاب كما أراده مؤلفه.

العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان

غلاف الكتاب

تحقيق كتب التراث ليس مجرد نقل نص، بل هو إحياء له؛ ما الإضافات العلمية والمنهجية التي حرصت على تقديمها لخدمة القارئ المعاصر؟

حرصت على تقديم عدة إضافات منهجية تجاوزت بها حدود النقل التقليدي؛ فقمت بتقسيم الكتاب إلى فقرات منطقية، ووضعت عناوين دقيقة لكل ترجمة، للتيسير على الباحث المعاصر. ولم أترك كلمة أو مصطلحًا أو بلدًا إلا وقمت بتعريفه. وربطت الجغرافيا القديمة بالواقع الحديث.ووضعت دراسة مستفيضة هي الأولى من نوعها عن حياة النعيمي، رصدت فيها حياته الشخصية والعلمية والاجتماعية. كما حللت المصادر التي اعتمد عليها، المكتوبة أو السماعية.

التاريخ المفقود

الكتاب يركز على “الضبط” التاريخي للمواليد والوفيات، كيف يسد هذا العمل ثغرة في تأريخ الحقبة التي تناولها؟

تكمن القيمة الاستراتيجية لكتاب النعيمي في كونه المتمم والمكمل لما بدأه كبار مؤرخي العصر المملوكي، مثل السخاوي في كتابه الضوء اللامع، فقد سدّ النعيمي فجوة زمنية تمتد لنحو ثلاثين عامًا. كما قام بتصحيح وإكمال الكثير من التراجم.ويسد الكتاب ثغرة “التخصص الدقيق”؛ فهو مرصد متخصص للعلماء، والفقهاء، ولجيل شهد نهاية دولة وبداية عصر جديد. ما يجعل منه وثيقة اجتماعية وعلمية لا غنى عنها؛ لفهم كيف استمرت المؤسسة الدينية والعلمية في أداء دورها خلال هذه التقلبات السياسية.

بصفتك باحثًا في التراث، كيف ترى حال حركة تحقيق التراث في العالم العربي اليوم؟

تعيش حركة تحقيق التراث اليوم حالة من الحيوية والنشاط، سواء أكانت على المستوى المؤسسي؛ عن طريق مؤسسات عريقة مثل دار الكتب والوثائق المصرية، والهيئة المصرية العامة للكتاب، والأزهر الشريف. أو على المستوى الفردي والأكاديمي؛ حيث يضج التراث بالأعمال الجادة من خلال جهود باحثين مخلصين، استطاعوا إخراج موسوعات ضخمة تصل إلى 30 و40 مجلدًا في التفسير والتاريخ، ما يثبت حرص الأمة على إبراز أصولها ونهضتها.

الصبر والدقة

ما المعايير التي يجب أن تتوفر في المحقق الناجح حتى لا يقع في فخ التصحيف أو التحريف؟

التحقيق ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة تتطلب سمات خاصة، أهمها: الصبر؛ فالمحقق قد يقضي أيامًا أمام كلمة مستعصية، أو رحلة للبحث عن مخطوط في بلد آخر. والدقة الفائقة والاستعانة بأهل الاختصاص، بالإضافة إلى القراءات المتعددة؛ حمايةً للنص من “التصحيف والتحريف”.والمحقق الحق هو من يخدم القارئ عبر عزو الأقوال لأصحابها وتوثيق السير الذاتية الواردة في ثنايا النص، وتعريف المصطلحات، وتحقيق الأماكن والبلدان وربطها بمسمياتها المعاصرة.

بعد هذا التتويج، ما المخطوط القادم الذي بدأت بوصلة الباحث تتجه نحو تحقيقه؟

لم تتوقف رحلتي مع التراث عند هذا الفوز، بل هي مستمرة عبر مشروعين جديدين، الأول العمل على مخطوط “حقبة مفقودة” من كتاب محقق، عثرتُ على مادتها بفضل الله، وهي في طور التحقيق حاليًا لتكتمل بها صورة ذلك السفر العظيم. والثاني عمل مشترك مع أستاذ قدير على مخطوط آخر سيخرج للنور قريبًا بإذن الله.

اقرأ أيضا:

عبد الحليم: لهذا هربت العائلة المقدسة لمصر تحديدًا

عمرو العادلي: لا أؤمن بالوحي والقوى الكبرى تحتضر

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13786

موضوعات ذات صلة

التعليم الفني.. المستقبل يبدأ من هنا

المحرر

27 دائرة بـ10 محافظات تحسم “النصاب” البرلماني

أيمن مصطفى

اتحاد منتجي الدواجن: خطة لتطوير عنابر الدواجن

المحرر

جلسة حوارية بمكتبة الإسكندرية:الاستقرار المالي والنمو المستدام

أيمن مصطفى

فريق طبي ينجح في استئصال ورم ضخم بجامعة أسيوط

المحرر

الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن المترجم والأديب

المحرر