ثقافة وأدبسليدر

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

هجمة وحشية تقودها مليشيات الدعم السريع على ولاية دارفور وبخاصة مدينة الفاشر مركزها الاقتصادي، بعد حصار استمر 18 شهرا، ظلت فيه ملاذا لمئات الآلاف من النازحين الذين فروا من القتال منذ أبريل 2023 مع اندلاع التمرد ضد الجيش السوداني.

ولأن إشاعة الرعب هي سلاح معنوي؛ فقد اعتمدت المليشيات على تصوير جرائمها وهي تحكم السيطرة على حدود المدينة التي تئن أصلا من المجاعة والمرض، وراحت توثق مشاهد إعدام الشبان الذين تصفّهم وتحفر لهم مقابر جماعية، ومشاهد أطفال يغتالون في أحضان أمهاتهم، وصبية مشوّهين، وفتيات منتهكات، وعجائز ومرضى على الأرصفة.. كانت بقعة الدماء تتسع في الأرض وسط صيحات “الله أكبر” من قبل العصابات المسلحة وقائدهم الميداني ـ”أبو لولو” مجرم الحرب الذي يزهو بتصفية أصحاب الأرض. هنا تصدق مقولة الأديب بركة ساكن في “مسيح دارفور”: “أهون للجمل أن يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله”!

أشقاء الأرض والكفاح

ارتبط تاريخ مصر والسودان منذ القدم، وفي كتابه “مصر والسودان” الذي وضعه عام 1927 بالتزامن مع الاحتلال الإنجليزي لمصر، يقول الأمير عمر طوسون: ليس لاستقلالنا داخلًا وخارجًا أدنى قيمة في المستقبل إذا كان زمام النيل في قبضة يد غير مصرية. 

وقد سالت دماء شريفة للمناضلين من أبناء الحركة الوطنية للبلدين في سبيل التخلص من الاستعمار واستعادة وحدة البلدين؛ ولا ينسى أحد مقولة شريف باشا حين استقال تحت تلك الضغوط الاستعمارية: إن تركنا السودان فإنه لا يتركنا. ظل هذا تقريبا موقف زعماء الحركة الوطنية وحتى قيام ثورة يوليو، إدراكا لحقيقة أن مصير البلدين واحدٌ.

وفي حين ظل المستعمر يستخدم أوراقه السياسية والعسكرية نحو مبدأ فصل المسألة المصرية عن السودانية، استمر الأمر حتى نال السودان استقلاله عام 1956، كما نالت مصر استقلالها عام 1952، وأجليت القوات البريطانية ولكن الاستعمار استمرت خططه في التقسيم ونهب الثروات حتى اليوم.

اقرأ أيضًا: ناقوس الخطر يدق بالسودان

سيناريو مشؤوم

لقد ظهرت خارطة جديدة للسودان، أواخر تسعينيّات القرن العشرين، تقسّمه إلى خمس دول. وقد تحقق جزؤها الأول بانفصال جنوبنا الحبيب، وما هذه الحرب الملعونة إلا استمرارًا لذات السيناريو المشؤوم.

هكذا يقرّ د.أسامة تاج السر، أستاذ الأدب بجامعة الخرطوم، مؤكدًا أن السودان ظلّ منذ أمدٍ بعيد موطنًا لخيرات مطمورةٍ في أعماقه؛ من ثروة معدنية وسهول خصبة ومراع حيوانية، وهو ما يبرر أطماع الدول في خيراته. وللأسف فقد مُنيت البلاد بحكم ذي طابع مستبد سرقت من عمر البلاد الكثير منذ الخمسينيات.

ثم جاءت الفترات الانتقالية لحكومتي سوار الذهب والبرهان، والتي حكمت بنفس النهج وتورطت في تسليح بعض القبال الرعويّة، لحماية ممتلكاتها، ضد المكونات القبليّة الأخرى، حتى قويت شوكتها، وصارت تتبع لرئاسة الجمهوريّة بوصفها مكونًا عسكريّا، فتمدّد نفوذها وبنت شراكات اقتصاديّة مع الجبهات الخارجيّة، من خلال دورها في وقف الهجرة غير الشرعيّة إلى أوروبا، فوجدت دعمًا ماديًّا كبيرًا من الاتحاد الأوروبي، ثمّ عن طريق دورها في عاصفة الحزم في اليمن.

وبسؤاله حول موقف النخب الثقافية الوطنية، أجاب “تاج السر” بأن كل المثقفين الوطنيين يرفضون الحرب لما ستجره على البلاد من دمار وخراب. ويرى “تاج السر” وهو شاعر قدم دواوينا للأرض السمراء، أن اصطفاف المثقفين هو واجب الوقت ضد التقسيم الذي رسم خارطة لأربع دول جديدة تخرج من جسم السودان: دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة، وما تبقى من السودان، بعد انفصال الجنوب.

لغم يشعل المنطقة

دارفور تتحول اليوم إلى ساحة تهجير وتطهير عرقي ممنهج المليشيات المدعومة من الخارج تنفذ عمليات ممنهجة لإفراغ مناطق بأكملها من سكانها الأصليين، و هذه الممارسات الممنهجة تستهدف كسر العمود الفقري للمجتمع السوداني.

هكذا يقرر رامي زهدي -خبير الشؤون الإفريقية –مشيرا إلى أن ما يجري في دارفور هو صراع على هوية السودان ذاته ووحدته.و إذا ما نجحت هذه المليشيات في فرض سيطرتها على دارفور، فإن النتيجة المباشرة ستكون ولادة كيان موازٍ للدولة السودانية؛ صحيح أنه هش لكنه يمثل مركزا للصراع في القارة مع امتلاكه موارد ضخمة، وممرات حدودية نحو ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.

وبرغم أن تدفق السلاح للمليشيات في دارفور يطيل أمد الصراع بما يخدم مشاريع النفوذ الجيوسياسي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إلا ان الدعم مهما طال فلن يحسم الأمور أبدا لصالح جماعة غير شرعية في مواجهة جيش وطني وشعب.

تهديد حدود مصر

بسؤال خبير الشئون الإفريقية حول خطورة التصعيد في دارفور شديدة على أمن مصر؛ أفاد بأن أي انهيار شامل في السودان، أو تفكك دارفور إلى كيان منفصل أو فوضوي، سيؤدي إلى تدفقات بشرية وأمنية شمالًا، وهو ما قد يخلق بيئة مضطربة على طول الشريط الحدودي الذي يمثل بوابة حساسة للأمن المصري، كما أنه يجعل من دارفور مركزا لتهريب السلاح والعناصر المتطرفة والتي تهدد مصر عبر الحدود الغربية والجنوبية.

يؤدي انهيار السودان أيضا إلى إعادة هندسة موازين القوى في حوض النيل، بما يعوق ملفات الأمن المائي وفرص التعاون الاقتصادي في القارة السمراء، كما يجر مشروع تفكيك السودان البلد الشقيق لخارج فضائه العربي الطبيعي لصالح قوى خارجية.

لهذا فإن مصر تتحرك وتدفع محيطها العربي والإفريقي لموقف رافض لما يجري في دارفور وداعم لوحدة السودان كدولة ذات سيادة لا تقبل التجزئة ودعم المبادرات الإنسانية والإغاثية في الإقليم.

أما السودان فإن عليه حزمة تحديات كما يشير “زهدي”، وتبدأ بوضع قوانين تحول دون تجنيد المرتزقة مع فضح سلاسل تمويل المليشيات ومعاقبتها دوليا، وتعزيز التعاون الاستخباراتي العربي-الإفريقي لمنع تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود. وربما مع انتهاء الحرب يكون من الهام الدفع نحو مؤتمر مصالحة سوداني وطني، وإطلاق مبادرة مصرية لإعادة الإعمار والتنمية في دارفور كجزء من الدولة السودانية الموحدة.

اختبار أخلاقي للعرب

يعيش السودان سيناريو تغيير ديموغرافي عبر استخدام العنف المباشر لطرد مجموعات شعبية معينة أو إضعافها سياسياً واجتماعياً. يأتي ذلك بالتزامن مع بناء إمبراطورية نفوذ اقتصادية وسياسية مرتبطة بقادة المليشيا، مع خلق حالة فوضى تعرقل أي محاولة لإخضاع قادة المليشيا للعقوبات وتمديد أمد القتال.

ويعتبر الكاتب والباحث السياسي المصري شعبان قزامل أننا نحيا اليوم لحظة اختبار أخلاقي وسياسي إما أن تُترجم الإدانة إلى إجراءات حازمة فعّالة تكسر منطق الإفلات من العقاب وتضع حدًا لمعاناة الملايين، أو أن تتواصل الدوامة المأساوية التي تُغرِق شعبًا كاملًا في العنف والتشرد والجوع.

أما ما يمكن فعله على الأرض، فيقترح “قزامل” تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي بما يضع الإنسان وكرامته في المقام الأول. . تتضمن الإجراءات المطلوبة تطبيق آليات المساءلة الدولية مثل لجان تقصي الحقائق الأممية وملاحقة المتورطين في جرائم ضد المدنيين وقطع شبكات تمويل المليشيات وضمان ممرات أمنية إنسانية، ودعم المجتمع المدني والحقوقيين السودانيين لتوثيق الجرائم. وأخيرا خلق واقع ميداني تتم فيه السيطرة على  المدن والمخيمات وطرق الإمداد والموارد لمنع وصولها للمليشيات.

مواجهة الرصاصة بالحلم

“الرصاصة التي أخطأتك لن تخطئ أحلامك”، هكذا يقرأ الشعراء الحرب : مَنْ لم يمتْ ستموت أحلامُه. والأحلام هي البناء الشاهق الذي يحققه الشعراء لأوطانهم.

هكذا يرى الشاعر السوداني أسامة سليمان في شهادته عما يمكن أن يفعله أدباء السودان لإزكاء روح الوحدة.

في ديوانه “قهوة الحرب” يقول: حين تأتي قذيفة الحرب فتطرق الأبواب: يفتح الشاعر قصيدته/فتخرج المرأة إلى واسعها حزنها/الجندي إلى فسيح موته/ ويبقى الشاعر وحيدًا! مع هذا يستطرد الشاعر السوداني والذي يعيش في أمريكا حاليا؛ مؤكدا أن الكاتب الحقيقي لا يقف مكتوفا  ويظل يجابه الرصاصة بالكلمة والخراب بالحلم . أما الشاعر فبعين بصيرته النافذة يمجد الحياة والإعمار، بتطلع الأطفال إلى مستقبلهم وبتوق أمهات المقاتلين لعودة أبنائهن من الجبهة ومحبي الحياة ؛هؤلاء الذين إن عُهِد إليهم بالأمر لذهب الناس إلى التنمية محققين مقاصد الشارع إعماراً للأرض .

اقرأ أيضًا: أحوال الاغتراب للحبيب السالمي في “أيتها القبرة”

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=7496

موضوعات ذات صلة

إيراث.. رحلة أبناء الأرض السبعة نحو الخلود

المحرر

حدث في شارعي المفضل.. هل من مُغيث لكوكب الأرض؟

المحرر

تفاصيل الحالة الصحية للبابا تواضروس في النمسا

حازم رفعت

ثلاثية غرناطة ملحمة إنسانية اهتمت بالمهمشين

المحرر

نجل عبد الوهاب عبد الحافظ: تكريم والدي لصونه اللغة العربية

المحرر

أثرياء 5 نجوم.. جديد ميرڤانا ماهر

المحرر