ثقافة وأدبسليدر

“معنى الحياة” في طبعته الجديدة

    يعود كتاب “معنى الحياة” للورد أڤبري، في تعريب وديع البستاني، بوصفه واحدًا من تلك الكتب التي لا تُقرأ على عجل، بل تُصاحب القارئ وهو يراجع أسئلته الكبرى في ضوء حياته اليومية. ومن حسن هذه العودة أن الكتاب صدر عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة في طبعة أنيقة، تمنح هذا العمل القديم حضورًا جديدًا يليق بقيمته الفكرية والروحية، وتعيد تقديمه إلى القارئ العربي في صورة تجمع بين جمال الشكل وهدوء المضمون.

     قيمة هذا الكتاب لا تكمن في عنوانه الجاذب وحده، بل في الطريقة التي يقترب بها من سؤاله الكبير. فهو لا يطرح معنى الحياة بوصفه سؤالًا فلسفيًا معلقًا في فضاء التجريد، ولا ينشغل بالحيرة الوجودية كما في كثير من الكتابات الحديثة، بل يعيد السؤال إلى موضعه الأكثر قربًا من الإنسان: كيف يعيش؟ كيف يضبط نفسه؟ كيف ينظر إلى السعادة؟ كيف يتعامل مع العمل والمال والعلاقات والوقت والذوق والأخلاق؟ وهنا تحديدًا تكمن فرادته، لأنه لا يبحث عن المعنى في الغيب البعيد، بل في تفاصيل العيش نفسه.

نص مشبع بروح تربوية

   منذ الصفحات الأولى يتبين أن الكتاب ينتمي إلى ذلك اللون من الكتابة الذي يرى إصلاح الفرد طريقًا إلى إصلاح المجتمع. فالنص مشبع بروح تربوية واضحة، تؤمن بأن الأخلاق ليست زينة إضافية في حياة الإنسان، بل هي أساس نظرته إلى نفسه وإلى العالم. لذلك لا يكتفي المؤلف بإطلاق الأحكام العامة، بل يحاول أن يرد السعادة والشقاء إلى ما يصنعه الإنسان بنفسه، وإلى كيفية فهمه لحياته، وإدارته لرغباته، وتعامله مع واجباته وميله إلى الاعتدال أو الانفلات.

وهذا ما يمنح الكتاب طابعه العملي. فهو لا يكتفي بالحديث عن الحياة من علٍ، بل ينزل بها إلى أرض التجربة اليومية. حين يتناول السعادة، لا يعاملها بوصفها ثمرة الظروف المثالية، بل يربطها بحالة النفس وكيفية تهيئتها. وحين يتحدث عن الفشل أو الندم أو اللذة أو الطيش، فإنه يضع القارئ أمام حقيقة بسيطة وصعبة في آن: أن كثيرًا مما يصيب الإنسان يبدأ من نفسه، من اختياره، من جهله بحدوده، أو من اندفاعه نحو ما يلمع سريعًا ويخبو سريعًا أيضًا.

ومن أجمل ما في هذا الكتاب أنه لا يقدم الحكمة بوصفها فكرة متعالية، بل بوصفها تدريبًا على العيش. ففي فصل الذوق، مثلًا، لا ينشغل بالذوق الجمالي في معناه الضيق، بل يقدمه كفن في المعاملة، وفي الكلام، وفي الإصغاء، وفي معرفة حدود النفس أمام الآخرين. هنا يصبح اللطف خلقًا عمليًا، وتصبح الرقة مهارة إنسانية، ويغدو حسن التقدير جزءًا من النجاح. وهذا باب من أبواب الكتاب يبدو شديد الحيوية حتى اليوم، لأن العالم المعاصر، على ضجيجه وسرعته، لم يفقد حاجته إلى هذه الفضائل الهادئة التي تحفظ العلاقات من الخشونة، وتمنح الإنسان مكانته من دون ادعاء.

وفي حديثه عن المال، يكشف الكتاب عن نضج لافت. فهو لا يحتقر المال من حيث هو مال، ولا يرفعه إلى مرتبة العبادة الجديدة، بل يضعه في موضعه الإنساني الصحيح: وسيلة لحفظ الكرامة، والاستقلال، وحسن القيام على شؤون الحياة. ومن هنا يلح على الاقتصاد، لا بصفته بخلًا، بل بصفته اتزانًا، ويحذر من الدين، لا لأنه عبء مالي فقط، بل لأنه يمس حرية الإنسان وراحته النفسية. وهذه الصفحات تبدو قريبة جدًا من القارئ المعاصر، لأنها تمس توترًا ما يزال قائمًا في كل زمان: كيف نملك المال من غير أن يملكنا، وكيف نطلب العيش الكريم من غير أن ننزلق إلى التبذير أو الارتهان.

رفيق هادئ

ولعل ما يضاعف جاذبية الكتاب أن روحه الأخلاقية لا تأتي في صورة جافة تمامًا، بل تتخللها ملاحظات وتأملات وأمثال وأقوال تجعل النص أقرب إلى رفيق هادئ منه إلى خطاب متعالٍ. صحيح أن نبرته تحمل شيئًا من المباشرة، وأنه ينتمي إلى زمن كان أكثر ثقة بقدرة الكتاب على التهذيب والتقويم، لكن هذه السمة نفسها تمنحه صدقه الخاص. فهو لا يكتب ليبهر، بل ليهدي. ولا يراوغ القارئ بالالتباس، بل يخاطبه كما لو أنه قادر فعلًا على أن يصير أفضل.

أما تعريب وديع البستاني، فهو أحد أسباب متعة القراءة في هذا الإصدار. فاللغة هنا تحمل مذاقًا عربيًا له وقاره ورقته، وتمزج بين الجزالة والوضوح، من غير أن تفقد قدرتها على النفاذ إلى المعنى. ثمة عناية ظاهرة بالعبارة، وحرص على أن تصل الفكرة في ثوب عربي مشغول بعناية، وهو ما يجعل النص محتفظًا بسحره حتى عندما يتكلم بلسان زمن مضى. هذه اللغة لا تُقرأ بوصفها مجرد وعاء للمعنى، بل بوصفها جزءًا من التجربة نفسها، إذ تمنح الحكمة نبرة أكثر صفاء ودفئًا.

والحق أن الكتاب يكتسب قيمته اليوم من هذه المفارقة الجميلة: إنه نص قديم في موضوع لا يشيخ. فالإنسان ما يزال يسأل نفسه عن السعادة، وعن العمل، وعن الصواب والخطأ، وعن معنى النجاح، وعن حدود اللذة، وعن قيمة الذوق، وعن الطريق إلى حياة أقل اضطرابًا وأكثر اتزانًا. وقد تختلف المفردات من عصر إلى عصر، لكن القلق الإنساني في جوهره يبقى قريبًا من نفسه. لذلك لا يبدو معنى الحياة أثرًا من الماضي بقدر ما يبدو حوارًا متجددًا مع قارئ الحاضر.

     ولهذا فإن صدوره من جديد في طبعة أنيقة لا يبدو مجرد إعادة نشر، بل يبدو استعادة واعية لكتاب ما يزال قادرًا على أن يجد قارئه. فهذه الطبعة تمنح النص احترامه البصري، وتعيد إليه مكانته بوصفه عملًا يستحق العودة، لا لأنه ينتمي إلى زمن مضى فحسب، بل لأنه ما يزال يحتفظ بصفاء الفكرة، ونبل المقصد، وهدوء الحكمة.

    هكذا يخرج القارئ من معنى الحياة وهو يشعر أنه لم يقرأ كتابًا يجيب عن كل شيء، بل كتابًا يوقظ فيه الرغبة في أن يسأل نفسه على نحو أفضل. وهذا، في تقدير القراءة، هو أحد وجوه قيمة الكتاب الحقيقية: أنه لا يزعم امتلاك السر كله، لكنه يذكّر الإنسان بأن معنى الحياة لا يوجد بعيدًا عنه، بل في طريقته في العيش، وفي نظرته إلى نفسه، وفي ما يصنعه كل يوم من تفاصيل صغيرة تصوغ، من حيث لا يدري، صورته الكبرى.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=16771

موضوعات ذات صلة

احذر: ترك القمامة مكشوفة داخل المنزل

المحرر

ارتجاع المريء.. دليل شامل للتشخيص والعلاج

المحرر

غادة عبدالرازق تلاحق الشركة المنتجة قانونياً

حسن عبدالعال

الزمالك يلجأ لبيع نجومه لمواجهة الأزمة المالية

محمود المهدي

خبير اقتصادي : هذه سلبيات وايجابيات صفقة الروم

اخلاص عبدالحميد

الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال

سارة الدسوقى