
لطالما تعالت النداءات بمنصة احترافية في القاهرة يلتقي حول موائدها الناشرون، وتصبح جسرًا لعبور الكلمات ودعما لقوة مصر الناعمة، وقد تحقق ذلك للمرة الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب ودورته الـ57 مع أول مركز لتبادل حقوق الملكية الفكرية والترجمة والنشر Cairo Calling .
البرنامج الذي دام على مدار ثلاثة أيام، شهد حضورًا لافتًا لأكثر من 50 ناشرًا اجنبيًا وقد تبادلوا الخبرات ووقعوا بالفعل عقود تبادل الحقوق مع ناشرين من مصر وخارجها، وأصبحت المنصة وسيلة لربط الناشرين والوكلاء الأدبيين، وتدويل المنتج الثقافي والأدبي العربي وليس المصري فحسب.
وقالت الناشرة نيفين التهامي أحد منظمي برنامج الملكية الفكرية، في تصريحات لـ”صوت البلد”، أن فكرة “كايرو كولنج” بدأت بحماس ناشرين مصريين قبل 9 سنوات وقادها الناشر شريف بكر مدير دار “العربي” والناشرة الدولية فاتيما عباس وكلاهما له باع في النشر والترجمة الأدبية. أما الانطلاق هذا العام فجاء بمبادرة من د.أحمد مجاهد المدير التنفيذي لمعرض القاهرة للكتاب، ودعم كبير من وزارة الثقافة والهيئة المصرية للكتاب، لترسيخ مكانة معرض القاهرة الأول شرق اوسطيا والثاني عالميا من حيث الحجم والحضور، ووضع القاهرة على خريطة النشر العالمية.

بسؤالها حول الاستفادة من هذه المنصة، قالت “التهامي” مسئول التطوير المهني باتحاد الناشرين، أن البرنامج يتيح للناشرين وخاصة الشباب الذين لا يحصلون على حقوق الترجمة بأنفسهم من معارض لندن وفرانكفورت وغيرها، أن يجلسوا مع نظرائهم العالميين من خلال معرض القاهرة للكتاب، وأن يتبادلوا حقوق النشر والترجمة بسهولة أكبر. ومن الملاحظ أن الناشرين الأجانب قد احتشدوا بدورهم وعرفوا الكثير عن سوق النشر المصري وحسموا اختياراتهم .
أما عن القاريء والمؤلف؛ فالمنصة تتيح وصول الأدب والثقافة العربية للعالم والعكس أيضا، وهو ما يجعل تفاهم الشعوب أقرب. تقول “التهامي” الشريك المؤسس لدار “كيان”؛ لدينا أقلام كبيرة تستحق أن تصل للعالم وتنافس على الأعلى مبيعا ورواجا، ولكنها ظلت تنتظر الفرصة التي أصبحت اليوم سانحة، وهي خطوة ستتبعها خطوات كثيرة لتصبح منصة تبادل الحقوق دورا مهنيا ثابتا ومتطورا في معرض القاهرة كل عام.
جسر الحكايات
التقينا عددا من الناشرين الأجانب المشاركين؛ وعبّر الناشر الإيطالي باولو كانتون عن حماسه الشديد؛ فهو يبحث عن المبدعين المصريين في أرض عرفت الحكايات قبل اكثر من ستة آلاف عام، وهو شغوف للغاية ببلدان الشرق التي تعد بالنسبة له مصنعا للحكايات. واعتبر “كانتون” أن الحكاية هي أروع ما نصنعه لأطفالنا وكلنا يتذكر أول كتاب لمسه في حياته، هو شخصيا لا ينسى “365” حكاية حول العالم، وهذه الحكايات تشكل شخصيتنا بمرور الوقت، وهو ينتقي للقراء الإيطاليين ما يعتقد أنه يستحق بالفعل أن يُروى، وليست لديه أية مشكلة في النشر لأي مؤلف أيا كانت جنسيته شريطة أن يمنحه قصة حقيقية تستحق.
يعلم “كانتون” أن الأطفال يحبون الكارتون كما يحبون الألعاب الإلكترونية ويحبون الوجبات السريعة؛ لكن ذلك لا يصنع شخصيتهم ولا يبني قدرتهم على التفاعل مع العالم وفهمه؛ ويعتقد أن دوره هو منح القاريء أدوات وحكايات تجعل لديه تنوعا كبيرا يجعله أقوى في التواصل مع الحياة والعصر المليء بالفوضى والتغيرات.
أما فكرة العولمة فهي لم تضف لجوهر عملية النشر سوى تسهيل وصول القصص للقراء بسرعة البرق، أي أننا إذا أحسنا استخدام العصر والذكاء الاصطناعي ولم نفقد قدرتنا على الحكي الإنساني الأصيل في الوقت نفسه، ستصبح حياتنا أفضل، وهذا ما يعتقد أنه دوره!

من جانبها تحدثت مديرة دار “أكوما” الإيطالية “سيلفيا فيزينا” عن أهمية مشاركتها لأول مرة في “كايرو كولنج” بوصفها ضرورة لأي ناشر يريد أن يصل للعالم. وقالت لـ”صوت البلد” أنها جاءت بعين وقلب مفتوحين على حركة النشر في مصر، وأجرت لقاءات هامة، واعتمدت على ذائقتها وخبرتها كناشرة إلى جانب الأصدقاء الثقات.
وتحدثت “سيلفيا” عن أهمية النشر كصناعة اقتصادية مسئولة عن أقوات جيش من المؤلفين والناشرين وكل المندرجين في الصناعة، وهي عمل بالإضافة لذلك شديد الإنسانية والرهافة؛ وقد اختارت حين بدأت في النشر عام 2022 أن تصبح القصة الأولى لكاتبة فلسطينية بعنوان “عطر أمي” ورأت أنها تمنح القراء مضامين كثيرة إنسانية، وفي إيطاليا عموما من السهل ان تنشر لكاتب فلسطيني لأن بابا الفاتيكان يتحدث عن فلسطين وهناك جهود إغاثية كثيرة وتظاهرات لأجلها كقضية إنسانية تخص الضمير أولا، بخلاف دول أوروبية أخرى ربما أقل حماسا للقضية.
تهتم سيلفيا كثيرا بالسير الذاتية وبالنشر الأدبي وسوقه الواسع، إلى جانب فروع الفكر الأخرى، وتعتبر أن معرض القاهرة للكتاب فرصة كبيرة للقاء أهم الناشرين في مصر والعالم العربي.
كلا الناشرين الإيطاليين جاء لمصر للمرة الأولى، وقد عرف “باولو” عن الحضارة المصرية من مؤلف إيطالي شهير مهووس باللغة الهيروغليفية القديمة، اما سليفيا فعيناها تلمعان حماسة لزيارة الأهرامات والمتحف الكبير..
في تغريدته، كتب الوكيل الأدبي والناشر الروماني سيلفيو ساندليسكو، والمعني بكتب الأطفال بدرجة كبيرة، عن خصوصية مشاركته هذا العام في منصة القاهرة لتبادل الملكية الفكرية، في معرض يرتاده أكثر من 5 مليون زائر، ويطرح فيه أكثر من 6000 آلاف عارض من 83 دولة، مبديا سعادته ليس فقط باختيار موطنه ضيفا للشرف هذا العام، لكن بالكثير من الشراكات الناجحة التي ربطته بناشرين عبر “كايرو كولنج”.
يحمل الناشرون المشاركون تجارب خاصة من زيارة مصر ومعرض القاهرة للكتاب، وقد تحولت حقائبهم لصندوق الدنيا الذي يحوي كنوزا من الحكايات والفكر العربي والأوروبي، وسيفتحونها لقاريء لا يعرف حدودا للشغف!
