
بينما تضج الحياة بالصخب، تختار الكاتبة هناء متولي أن تنصت لهدير الصمت خلف الأبواب المغلقة. في مجموعتها القصصية المتوجة بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب “ثلاث نساء في غرفة ضيقة”، لا تكتب هناء عن الجدران، بل عما يحدث بداخلنا حين تضيق بنا المساحات؛ تكتب عن انكسارات الروح، وهشاشة الإنسان، وبسالة المقاومة الهادئة.
بذكاء سردي لافت، استطاعت متولي أن تحول “الضيق” من قيد مكاني إلى براح إبداعي، ممررةً من خلاله هواجس النساء المهمشات وتطلعاتهن للبوح والتحرر. لم يكن فوزها بالجائزة مجرد تكريم لنص أدبي، بل كان اعترافًا بلغة استثنائية استطاعت أن تلمس الجرح دون صراخ، وأن تنتصر للفن في أصفى حالاته.
في هذا الحوار، تبحر “صوت البلد” مع الكاتبة في عالمها المسكون بالصدق، لنكتشف كيف استطاعت تلك الغرفة أن تتسع لتشملنا جميعًا، وكيف تراهن في مشروعها القادم على الإنسان، وقوة الكلمة في مواجهة العزلة.
بدايةً، كيف يترجم فوز مجموعتكم بجائزة معرض الكتاب أثر النص الأدبي في وجدانكم؟
الفوز بالنسبة لي هو لحظة تقدير للنصوص ذاتها أكثر من كونه إنجازًا شخصيًا؛ هو اعتراف بتجربة كُتبت من الداخل، وبفن القصة القصيرة الذي لا يزال قادرًا على ملامسة الروح الإنسانية بعمق.
لمن تهدي هناء متولي هذا الفوز؟
أهدي هذه الجائزة لعائلتي التي كانت سندًا حقيقيًا، ولوالدتي التي كانت أول من أهديتها كلماتي، وإلى كل امرأة وجدت نفسها يومًا في “غرفة ضيقة” وحاولت أن تتنفس.
أصوات المهمشات
كيف يتحول الصمت والألم اليومي إلى مادة سردية تنبض بالحياة؟
مصدر إلهامي الأساسي هو الواقع الإنساني في لحظاته الهشة: الألم، والوحدة، والخوف، والرغبة الفطرية في النجاة. أستلهم كتاباتي من التفاصيل الصغيرة العابرة، ومن أصوات النساء المهمشات، ومن تلك التجارب التي لا تجد طريقها إلى البوح بسهولة. أؤمن تمامًا أن الكتابة تبدأ من الإصغاء قبل الخيال.
تحمل “ثلاث نساء في غرفة ضيقة” دلالة رمزية مكثفة.. فما هي الرسالة المختبئة خلف جدران تلك الغرفة؟ والغرفة هنا مكان جغرافي أم حالة شعورية؟
العنوان يشير إلى حالة شعورية أكثر من كونه مكانًا ماديًا. الغرفة الضيقة هي استعارة لمساحات القيد التي قد يُحاصر فيها الإنسان، لا سيما النساء، سواء كانت قيودًا اجتماعية، أو نفسية، أو وجودية. أما النساء الثلاث في العمل، فهنّ وجوه مختلفة لهذا الضيق، وربما امتداد لنساء كُثر؛ فالعالم أحيانًا قد يتحول كله إلى غرفة ضيقة.

غلاف المجموعة
رسمتِ شخصياتكِ بملامح يغلب عليها الضعف والمقاومة الهادئة.. كيف استطعتِ صياغة أبطال حقيقيين يبتعدون عن الصور النمطية والمثالية؟
شخصياتي النسائية ليست نماذج مثالية ولا بطلات بالمعنى التقليدي؛ هنّ كائنات هشّة متناقضة، يخطئن ويخفن، ويقاومن بطرق هادئة وغير معلنة. أبطال العمل لا يملكون القوة دائمًا، لكنهم “حقيقيون”، يعيشون تحت ضغط مستمر ويحاولون النجاة، كلٌ بطريقته الخاصة.لم أسعَ لطرح قضية مباشرة بقدر ما حاولت الاقتراب من تجارب إنسانية مسكوت عنها. ينشغل العمل بأسئلة القهر، والعزلة، والبحث عن الصوت الخاص، وكيف يتشكل الوعي داخل المساحات المغلقة. ما يهمني في المقام الأول هو الأثر الإنساني لا الخطاب المباشر.
لغة الألم
كيف نجحتِ في موازنة كفتي الميزان بين التعبير عن الألم الإنساني وبين الحفاظ على التكثيف الجمالي الذي تفرضه القصة القصيرة؟
التحدي الأكبر كان الكتابة من قلب الألم دون الانزلاق إلى المباشرة أو استجداء الشفقة. كان عليّ ابتكار لغة قادرة على حمل هذا الثقل دون أن تفقد جماليتها، والموازنة بين الصدق الفني والتكثيف الذي يتطلبه فن القصة القصيرة.
خلف كل نص جملة تسكن روح كاتبها.. فما هي العبارة التي خرجت من قلمكِ وظلت عالقة في وجدانكِ أكثر من غيرها؟
يلامسني كل سطر كُتب بصدق في لحظة هشاشة. لا أتعامل مع الاقتباسات كجُمل معزولة، بل كأثر يتركه النص كاملًا في وجدان القارئ. ومع ذلك، تظل جملة: “الحزن لا ينفد.. الحزن يتجدد” من قصة “رسائل الموتى” تسكنني دائمًا.
الانشغال بالإنسان
بخبرة الفوز والاجتهاد، ما هي الرسالة التي توجهينها للأقلام الشابة الباحثة عن بصمتها الخاصة في عالم الأدب؟
أن يكتبوا بدافع الضرورة القصوى لا بدافع التوقعات، وألا يطمئنوا للقوالب الجاهزة أو بريق النجاح السريع. الكتابة الحقيقية رحلة شاقة تتطلب صبرًا، وجرأة، واستعدادًا للخسارة قبل الفوز.
بعد هذا النجاح، إلى أين تأخذكِ بوصلة الكتابة؟
هناك رغبة دائمة في الاستمرار في التجريب والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. المشروع القادم، أيًا كان شكله، سيظل مشغولًا بالإنسان، وباللغة بوصفها مساحة اختبار، وبالذهاب إلى مناطق أكثر قلقًا وأقرب إلى قيم العدالة والصدق. والآن تستفزني أكثر الكتب الفكرية ولقد انتهيت من كتاب عن السينما سينشر قريبًا .
اقرأ أيضا:
الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال
يناير الأبيض: ربيع الكتاب يزهر في شتاء القاهرة
