
أيادى مصرية سمرا.. ليها فى التمييز
ممدودة وسط الزئير.. بتكسّرالبراويز
سُطوع لصوت الجموع.. شوف مصر تحت الشمس
آن الأوان ترحلى.. يا دولة العواجيز!
ذات صباح قبل 15 عاما، خرج ملايين المصريين الكادحين من كل شارع وحي قاصدين ميدان التحرير. حمل الشباب الأعلام ودعت الأمهات وبكين من الشرفات، وخرج الجميع يهتفون بالعيش والكرامة والحرية. سرت الدماء في العروق من جديد مع هذا الموج الهادر في الميدان حتى فهم النظام الدرس!
تظل ثورة يناير إحدى أعظم الثورات الشعبية في التاريخ الإنساني فقد قدمت الوجه الحقيقي لهذا الشعب الذي قرر أن تظل انتفاضته سلمية وأخلاقية وعادلة، وألا تنفصل أبدا عن الجيش الذي اتخذ موقفا وطنيا راعيا ونبيلا.
أحيا الميدان معنى الكرامة في مصر ولكنه ألهم الشعوب لأنه رفض أن يتحول لمعول هدم للوطن ذاته، وقد دعت تيارات لها أجندات غربية لهدم مقار المؤسسات الأمنية، أو بذر بذور الكراهية تجاه الشرطة وإشاعة الفوضى باسم الثورة.كما رفض المصريون هؤلاء الذين حرّموا عليه الثورة ثم قفزوا لسفينتها بمجرد نجاحها لتصل بهم للسلطة.
نفسية المصريين قبل الثورة
في كتابه “عبقرية الثورة المصرية” يقول د. محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، أن الفساد وصل قبل الثورة لمدى بعيد طال كل شيء في حياة المصريين، وقد كان يواجه في عيادته كل يوم نماذج لضحايا بل وجناة تورطوا في التزوير والرشوة وطالتهم لعنتها. لقد وصل الأمر بوكيل مدرسة لأن يستعين بمن يخرجه سالما من اللجنة لأنه يرفض الغش وأهل بلدته يتجمهرون للفتك به! صحيح أن الدول المتقدمة لا تخلو من هذا الفساد المصاحب للبشر عبر التاريخ والجغرافيا، لكن الفساد هناك لا يستمر لأن الإعلام قوي والرأي العام وجماعات الضغط قادرين جميعا على توجيه الآليات المؤسسية لاجتثاث الفساد أو محاصرته في أضيق الحدود.
في الدول المتخلفة ينقلب الحال ويتحول الفساد من استثناء لقاعدة يبررها الجميع – عامة ونخب- ولا عزاء للوطن. يقول المهدي: مع شيوع الفقر والجهل المرض في الدول المتخلفة تنهار القيم الأخلاقية مثل الصدق والأمانة وإتقان العمل، وتشيع قيم الخوف والانتهازية والتملق والفهلوة؛ تلك القيم التي تشكل أرضا خصبة يترعرع فيها الفساد. أما النخبة فهي إما رخوة أو هشة أو مفتتة أو مستقطبة أو يتم احتواؤها بواسطة السلطة القائمة؛ ولهذا تصبح غير قادرة على توجيه دفة الرأي العام للاتجاه الصحيح.
ولأسباب اقتصادية وسياسية تقوم بعد الدول القوية برعاية الأنظمة الفاسدة في الدول المتخلفة حيث تكون مستفيدة من وجودها وهذا يشكل دعما للفساد ولأنظمة حكم لا يمكن تغييرها بسهولة ولذا يعشش الفساد لسنوات طويلة، ويصبح كجسد هاجمه فيروس وهو بلا مناعة!
ولقد ذكر القرآن مثلث الفساد في آية واحدة تخص فرعون (الحاكم) وهامان (السياسي الوصولي) وقارون (الإقطاعي المستفيد)، يقول الله تعالى: }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23)إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24){ (غافر) وهذا المثلث بعينه يخلق شعبا خاضعا مستكينا لا يقول للظالم “لا” وتساعد في تخديره نخبة من رجال الدين الذين ينتقون من النصوص ما يبرر بقاء الحال.
وهكذا ينتشر الفساد المجتمعي ويصبح المصلحون غرباء ومثيرين للقلق، ويظل الفساد يطال جميع مناحي الحياة بالرشوة والمحسوبية واستغلال المناصب والغش في ظل دولة رخوة لا ترعى مشروعا قوميا وتضعف من المؤسسات الرقابية بما يتيح تمدد الفساد بلا خوف حتى ينهار المجتمع من داخله ويحتاج لسنوات طويلة لعودة أمانه كما حدث في العراق من قبل.
يقول المهدي: لقد حكم مبارك بقانون الطواريء ثلاثين عاما، ولم ينحاز للفقراء كما فعل عبد الناصر من قبل الذي شيد المصانع والمشروعات الكبرى ومنح البسطاء حقهم في وطنهم، أما مبارك فقد شعر المصريون بانفصاله عنهم وشاهدوا بيعه لمقدراتهم وتغييبه لرأي الشارع في سياساته التي اتجهت لإرضاء أمريكا فقط، بل وسعى بجدية لتوريث الحكم لابنه. في هذا المناخ شاهد المهدي كيف ازدادت معدلات الجريمة والعنف في الشارع المصري، وكيف انحدر السلوك بل والذوق العام وتوغلت العشوائية، وكيف تم الصمت على انتهاكات لحقوق المواطنين من قبل أفراد في جهاز الأمن.
عواقب دولة رخوة
في كتابه الهام “مصر والمصريون في عهد مبارك” يحلل د.جلال أمين مجمل السياسات التي اتخذها النظام المصري في عهد مبارك والذي عمل جاهدا في بداية حكمه 1981 على استرضاء الشعب فأعلن حرية الصحافة وأفرج عن المعتقلين من المثقفين بعد كامب ديفيد، بل واستشار صفوة خبراء الاقتصاد لوضع برامج إصلاح اقتصادي للبلاد، لكن بمرور الوقت تراجعت حالة التفاؤل من النظام الجديد بعد أن تحالف أصحاب المصالح مع السلطة، وبدأت الدولة تتخلى شيئا فشيئا عن مسئوليتها عن المواطنين محدودي الدخل وهم الشريحة الاكبر من المصريين وإن غطتها طبقة سميكة من اصحاب الدخول العالية.
كان جلال أمين من اوائل من وصفوا الحالة المصرية بالدولة الرخوة في زمن مبارك، مع التبعية لأوامر صندوق النقد الدولي وأمريكا، وصعود طبقة رجال الأعمال للعب أدوار سياسية من خلال الحزب الوطني المنحل، والالتفات لمشاريع ضخمة لكنها لا تخدم محدودي الدخل، من مثل المشروعات السياحية والسكنية للفئات العليا، مع تراجع حاد لمستويات الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات، وارتفاع الأسعار وتدني الأجور وشيوع الفساد وموضة الخصخصة، وغيرها من المظاهر التي جعلت المصريين يجأرون بالشكوى.
ويقارن “أمين” بين عبد الناصر ومبارك، فيقول: صحيح أن الأول كان ديكتاتورا لكنه لم يكن فاسدا ولم يرض أن يثري أحد من رجاله على حساب المال العام. وكان المشروع القومي في عصره هو قائد أحلام المصريين والعرب، وخاصة أنه لم يكن لاستقلال الوطن وبناء مشروعاته الصناعية الضخمة فقط، وإنما استقلاله السياسي بما سمحت به موازين القوى الصعبة في عصره.
لقد لعبت قوى المعارضة في عصر مبارك أدوارا كثيرة لكن اصابها الوهن بعد التزوير المتكرر للانتخابات وسيناريو توريث الحكم، بحسب جلال أمين الذي نادى بأن تحصل عمليات التغيير بعد الثورة على وقتها الكافي وأن يتفهم المصلحون أن ما فسد عبر ثلاثين عاما لا يتم إصلاحه في ليلة!
هكذا كانت الثورة نافذة النور الوحيدة لهذا الشعب .. وكانت يناير نقية بكل التضحيات لأجلها.. وربما كانت عايدة الأيوبي وهي تغني يا الميدان تمثل زفرة هذا الشعب وهو يريد الحياة، فتقول:..
ياه يالميدان كنت فين من زمان
هديت السور نورت النور لميت حواليك شعب مكسور
اتولدنا من جديد واتولد الحلم العنيد
اقرأ أيضا.. “بلاد جان” ..بعث جديد تحت شمس الحب والوطن
