ثقافة وأدبسليدر

أدباء عن “سان دوني”: لوحة إنسانية تعانق زمن الغربة

لم تكن “سان- دوني” مجرد مدينة عادية، تجاور باريس. كانت كاتدرائيتها الشهيرة، التي ترتفع كشاهد على التاريخ، تطل على كل شيء من بعيد.. عند العبور أمامها تشعر بثقل التاريخ.. هنا دفن ملوك فرنسا. الجدران مغطاة بالجرافيتي، والألوان الزاهية للبيوت تحكي قصصا عن نضال يومي، وحياة لا تعرف الاستسلام. شوارعها مكتظة ويزدحم في السوق الكبير باعة فرنسيون، أفارقة، عرب، أفغان، هنود، أطفال غرباء، ونساء يتحدثن بلهجات مختلفة، وكأن المدينة تجمع العالم في رقعتها الصغيرة.
من هؤلاء المغتربين نسجت د.لنا عبد الرحمن حياة على الورق استلهمت أطيافها من واقع لمسته في فرنسا، أبطال هربوا من ماض مؤلم يحدوهم الأمل في حياة أكثر أمنا. في قصر “لو شاتو” بقلب ضاحية سان – دوني الفرنسية، التمّ شمل فنانين وغرباء ولاجئين يملؤون فوضاهم الأزلية بأصوات الضحك. تراقبهم جدران القصر العتيق وأشجاره السامقة الحامية لأسرار من سكنوه.. لكن “ما من بيتٍ يدوم”!

حول الرواية الجديدة للنا عبد الرحمن، والصادرة عن دار “العين”، احتضنت مكتبة “ببليوتك” بالشيخ زايد، ندوة بحضور جمع غفير من المبدعين، فيما أدارت المنصّة الكاتبة منى أبو النصر، بمشاركة الروائيين أحمد المرسي وليالي بدر.
في كلمتها، عبّرت منى أبو النصر عن عمق الرواية التي تطرح سؤال الوطن ومعنى البيت وهل هو مكان نعود إليه أم نصنعه داخل جدران تشبهنا. كما تحمل الرواية موزاييك بشري هائل يخبرنا بحقيقة الآخر في مرآة النفس.

بين حربين
تحدثت الكاتبة د.لنا عبد الرحمن حول أجواء خروج الرواية للنور؛ وقد بدأت الاشتغال عليها قبل ما يُعرف بطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وما استتبعه من حرب إسرائيلية قاسية، وهو ما أجبرها على التوقف عن الكتابة لعدة أشهر، عادت بعدها مرات وفي كل منها تتوقف بسبب الحرب!

كانت شخصية “يوسف” الفنان المتمرد على عباءة أبيه، والقادم من خلفية يشتبك فيها واقع الحرب والاستبداد بين سوريا ولبنان، والذي يجد متنفسا له في فرنسا، هو عمدة الرواية في بدءها، قبل أن تشعر الكاتبة بأن صوته لن يكفي، ومن هنا نشأت باقي الشخصيات ومنهم الفرنسيان الذين أسسا للحياة في القصر وهربا من القناع الغربي المزدوج لحياة أكثر فطرية، كما ظهر “أبو الطيب” الفلسطيني الهارب من نكبة وطنه والمؤمن بحريته من كل قيد. تنضم نماذج متنوعة للقصر بين الصحافية الأفغانية الفارة من تسلط طالبان، واللاجيء السوري حلال العقد الممزق من داخله، وابنة زعيم المافيا في لبنان، والسيدة الليبية الهاربة من ماض يحمل التعنيف، ووصولا لثلاثي المسرح القادمين من المغرب.

لوحة إنسانية
تقول الكاتبة ليال بدر: الرواية تحمل مجازفة حقيقية بسبب هذا القدر الكبير من التنوع في أبطالها، من هويات مختلفة، وكيف أن الكاتبة لم تخش من طرحهم أفقيا دون استغراق مع كل منهم سرديا، لتقدمهم كحالة لها بعد واحد يخص الوجه الآخر لأوطاننا وكذلك لبلدان المهجر.
بدوره تحدث الكاتب أحمد المرسي عن إعجابه بحالة الفسيفساء الإنسانية التي حملتها الرواية والتي لا يمكن النظر إليها إلا كلوحة سردية متكاملة برغم هذا التشظي، وهي تعبر بصدق عن علاقة الشرق بالغرب، وأزمات الهوية، من خلال شخصيات يغلب عليها الطابع البوهيمي أحيانا والمعتزل للعالم بنظامه وقوانينه. كما أشاد “المرسي” ببراعة استخدام الضمائر والراوي العليم الذي يطل من اعترافات الأبطال بأصواتهم، ومن حبكة السرد التي تجبر قارئها على اللهث كي يكمل خيوط اللوحة وحيوات ومصائر الأبطال في القصر.

ضفاف الحب والحرب
في معرض ردّها على سؤال المنصة حول دوافع كتابة الرواية بهذا النمط السردي، تقول: لقد زرت ضاحية سان دوني مرات عدة، وبهرتني المدينة المختلفة كلية عن باريس وطابعها الارستقراطي الراقي؛ فيما سان دوني ترى فيها وجوها متنوعة في الشوارع من غجر وآسيويين وعرب وأفارقة، في مزيج إنساني أصبح يشكل جزءًا من طبيعتها الثقافية عبر عقود وازداد بفعل ثورات الربيع العربي وتزايد معدلات الهجرة نحو أوروبا.

أما عن اختيارات الأبطال، فتقول لنا: أؤمن بأن الإنسان ليس ملاكا كاملا ولا شيطانا؛ هو لون رمادي يمزج هذا وذاك ويسعى دوما نحو تطهير ذاته. هنا ستختلف نظرة القراء: هل اختيار الصحافية الأفغانية للاستقرار الذي حُرمت منه بالزواج من رجل فرنسي بديلا عن محبوبها يوسف، هو خيار أمثل! كما سنرى علاقات معقدة بين أمهات وبناتهن، وأزواج داخل بيت واحد، ونظل نتأرجح بين الغضب والغفران.

تستطرد “لنا”: اختياري لأبطال من خلفية لها علاقة بالفنون ليس جزافيا؛ ففرنسا دوما كانت قبلة عشاق الفن تحديدا والإبداع، وكما أن الفن في أوروبا عموما عمل مقدر من المجتمع. أردت أن أعبر عن مفارقة الحياة الأخرى في فرنسا، أو الوجه الذي قد لا يراه كثيرون، والغارق في العمل و”النظام” الذي أحيانا لا يترك مساحة للحياة الحقيقية إلا في هامش ضيق.

إضاءات الحضور
في تعقيبه على الرواية قال ناصر اللقاني، أن أبطال الرواية مغتربون في الواقع قبل أن يغتربوا عن أوطانهم.ومن حياة هؤلاء ندرك أن مقولة سارتر ليست صحيحة دائما فالجحيم ليس هو الآخر، بل قد يكون هذا الآخر هو الملاذ كما نشاهد في الرواية.
وعلقت نسرين محمود باقتباس عبارات من الرواية تلخص خبرة الطب النفسي، ومنها: “كل ألمٍ يحمل في داخله رسالة”، أما الفنانة هنا حلمي فأقرت بحالة الشجن التي انتابتها بعد قراءة هذا العمل والذي يجعلها تنهض فورا لرسم لوحة جديدة.
من جانبها اقتربت الشاعرة عبير عبد العزيز من البعد الإنساني الكامن في جوهر الرواية؛ هذا الخوف من انفصام عرى الحب بين الزوجين والذي تنبأ به يوسف مبكرا في علاقته بزوجته ياسمين، ابنة الأكابر، وكذا نلمح هذا البعد الإنساني في حياة كامي الفرنسية وفي أكثر من شخصية، ثم نطل على أشجار القصر التي تلعب دور بطولة أيضا فالصفصاف مثلا رمزا للغربة والتشظي.
أما الإعلامي خالد منصور فركز تعقيبه على فكرة الأنا والآخر في الرواية، وكيف تفلت الرواية من عقدة “الغيتو” العربي في باريس، في حين تحدثت الكاتبة حنان سليمان عن استلهام الرواية لتيمة “لا بيت يبقى” بحيث نتحول معها من التباكي لحالة التكيف والتعايش والانطلاق في الحياة، مع محبتها لتلك الحالة التي صنعها الغرباء في بيت أصبح يشبههم.

الرواية ترسم بلغة شاعرية حياة كاملة صنعها المغتربون في بيت واحد، عاشوا لحظات فرح وألم وهروب من ذاكرة مؤرقة وحاضر مفتوح على طرق متناقضة، لكن منحتهم الجدران ورائحة الخبز وأنس الصحاب، هذا الدفء الذي ظلوا يفتقدونه، وبصرتهم بأنفسهم دون مواربة.

اقرأ أيضا: البريطانية آلي سميث تراقب الحرب وتكتب عن الأمة

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=16542

موضوعات ذات صلة

جمال فرويز لـ(صوت البلد): أفلام الكارتون خطر على الأطفال

المحرر

​محافظ أسيوط لـ “صوت البلد”: الصحافة مرآتنا لنبض المواطنين

أحمد الفاروقى

مصر تكرم أبطالها

أيمن مصطفى

محافظ الإسكندرية يعتمد جداول امتحانات نصف العام

أيمن مصطفى

الشاعرة عزة رياض: الشاعر يبحث دائمًا عن نسخته الأفضل

أيمن مصطفى

انطلاق ماراثون امتحانات نصف العام لصفوف النقل

أيمن مصطفى