ثقافة وأدب

الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال

تُعد الحكم والأمثال الشعبية ذاكرة الشعوب الحية؛ فهي ليست مجرد كلمات رنانة أو عبارات عابرة، بل هي سجل غير مكتوب يختزل قرونًا من التجارب الإنسانية والمواقف الحياتية في جمل مكثفة بليغة.

وتمثل الحكم والأمثال الشعبية أحد أهم الروافد الثقافية التي تشكل الهوية الجماعية للأمم، فهي السهل الممتنع الذي ينقل فلسفة الشعوب من جيل إلى جيل. وتكمن أهميتها في قدرتها الفائقة على اختصار المعاني العميقة والدروس في كلمات قليلة، مما يجعلها بمثابة مرشد أخلاقي واجتماعي يوجه سلوك الأفراد داخل المجتمع.

إرث الأجداد

وفي وقت تتسارع فيه وتيرة الاقتصاد الرقمي وتتعقد فيه نظريات الإدارة الحديثة، يعود بنا كتاب حكم وأمثال في التجارة والأعمال إلى الجذور؛ ليثبت أن الحكمة القديمة لا تزال تملك مفاتيح النجاح في ناطحات السحاب المعاصرة. يأتي الكتاب الجديد ليكون جسرًا معرفيًا يربط بين إرث الأجداد، واحتياجات المجتمعات، وطموحات رواد الأعمال في القرن الحادي والعشرين.

ويعود ارتباط الأمثال بالمجتمع إلى كونها نتاج مواقف واقعية صهرتها الأيام، مما يحول التجربة الفردية إلى حكمة جماعية يستفيد منها الجميع. وهي تلعب دورًا حيويًا في الحفاظ على خصوصية اللغة واللهجات المحلية، وتجسد نمط تفكير الشعوب ونظرتهم للكون والحياة والموت والعمل.

مرآة الشعوب

ويرى الكاتب محمد بن أحمد الذييب في مقدمة إصداره أن الأمثال الشعبية ليست مجرد تراث شفاهي، بل هي “كنز يختزل تجارب إنسانية طويلة”. ويحلل الكتاب كيف يمكن لهذه الحكم أن تؤرخ للمواقف الحاسمة وتصوب السلوكيات الخاطئة في بيئات العمل.

كما تعمل الحكم كوسيلة لتقويم السلوك وغرس القيم النبيلة، وتُستخدم كحجة قوية في النقاشات لفض النزاعات أو إثبات وجهات النظر، لما تتمتع به من سلطة أدبية وتاريخية. فنجد أن الكثير من الحكم تتشابه بين شعوب الأرض، مما يؤكد على وحدة المصير الإنساني والتشابه الكبير في جوهر المعاناة والطموح البشري.

أخلاق التجارة

يتميز الكتاب بمنهجية الإيجاز، حيث يعتمد على جمل بسيطة تحمل في طياتها استراتيجيات إدارة أزمات معقدة. وقد جاء هذا الإصدار الموثق في 290 صفحة كحصيلة لسنوات من البحث، مكملًا لما بدأه المؤلف في كتابه السابق “منهل رجال الأعمال”. فالكتاب ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة مشروع بدأه المؤلف منذ أكثر من عشرين عاما، مما يمنح المحتوى عمقًا تراكميًا.

يعد الكتاب إضافة للمكتبة الاقتصادية الأدبية. ومحاولة لاستعادة البوصلة الأخلاقية في التجارة عبر لسان الشعوب. وتعكس هذه الخطوة رؤية المؤلف بأن التجارة والأعمال لا تكتمل إلا بنفع المجتمع؛ فالحكمة التي تُجمع من الناس تعود إليهم في شكل خدمات صحية وتطوعية، مما يرسخ أخلاقيات العمل التجاري.

جمع الكتاب حكم وأمثال من عدة دول حول العالم، منها: المملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر، وسوريا، والبحرين، والكويت، وعمان، وقطر، واليمن، وتشاد، وأوغندا، وغانا، والصومال، إلى جانب بعض الأمثال الأجنبية، ولم يغفل عن إدراج أمثال عديدة من الحضارات القديمة. وانقسم الكتاب إلى 30 فصلًا.

إن دراسة أمثال الشعوب هي في جوهرها رحلة لاستكشاف عقولهم، وفهم الطريقة التي واجهوا بها تحديات الحياة، وكيفية تعاملهم مع التجارة والأموال، وهي تظل رغم تطور الزمن وسيلة تواصل لا تنطفئ شعلتها، لأنها تنطق بلسان الفطرة والصدق.

التجارة شطارة

وهناك العديد من الحكم والأمثال التي تناولت مواضيع التجارة والمعاملات، وهي من أقدم الأنشطة البشرية التي صقلت عقول الشعوب، ولذلك نجد أن الأمثال المتعلقة بالأعمال والمال تتسم بالواقعية الشديدة، والحرص، والذكاء العملي. إنها تمثل الدليل غير المكتوب للنجاح والاستمرارية في عالم السوق.

ومنها: “لا تضع بيضك كله في سلة واحدة”، حكمة عالمية، وهي تعتبر القاعدة الذهبية في تنويع الاستثمارات لتقليل المخاطر. والمثل المصري “التجارة شطارة” يضع أسبابًا للتفوق في السوق؛ حيث يتطلب مهارة، وذكاءً، وقدرة على اقتناص الفرص. والمثل الصيني “من لا يغامر لا يفوز باللآلئ” الذي يؤكد على أن المخاطرة المحسوبة هي أساس الربح الوفير. والمثل المصري “صاحب بالين كذاب، وصاحب ثلاثة منافق” يدعو إلى التركيز والتخصص في نشاط واحد لإتقانه قبل التوسع.

اقرأ أيضًا:

أسرار 100عازف في محراب «ثومة»

معرض القاهرة الدولي للكتاب.. عرس الثقافة وريادة الوعي

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13288

موضوعات ذات صلة

ثلاثية غرناطة ملحمة إنسانية اهتمت بالمهمشين

المحرر

يناير الأبيض: ربيع الكتاب يزهر في شتاء القاهرة

أيمن مصطفى

أسئلة الهوية تلاحق فنانين عرب في “ليالي سان دوني”

المحرر

اليونسكو تُحيي ذاكرة الإسكندرية التراثية

أيمن مصطفى

إحياء التراث المعماري.. تجارب منفردة تفتقد الرؤية الشاملة

المحرر

مثقفون يقدمون روشتة للارتقاء بالذوق العام

المحرر