آراء

البابا تواضروس يكتب: سنة سعيدة جديدة

 


مع نهاية الأيام في شهر ديسمبر نودع عامًا قد مضى بكل ما فيه من أحداث وأفعال وشخصيات، سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، وسواء كانت الأيام مفرحة أو حزينة أو حتى عادية.. ونستعد لاستقبال عام جديد بكل الفرح والتمنيات الطيبة، ويتبارى العالم كله في هذه الاحتفالات التي كثيرًا ما تكون صاخبة وملونة ومتنوعة كمًا وكيفًا وشكلاً.

عام جديد 

واعتدنا في كنائسنا وأديرتنا أن نستقبل العام الجديد سواء عامًا ميلاديًا أو عامًا قبطيًا أو حتى عامًا جديدًا شخصيًا نستقبله بالصلوات والألحان والسهرات والتسابيح، ونختم ذلك كله بالقداس الإلهي مع الصلوات المرفوعة من القلوب بأن يتجاوز الله عن خطايانا وتقصيراتنا وكسلنا وإهمالنا، ويقبل توبة حقيقية من القلب، ونطرح أشواقنا وأحلامنا وتمنياتنا بالإيمان وبالرجاء وبالأمل واثقين في عنايته ورحمته.

وإذا ما نظر الإنسان -أيًا كان موقعه أو مسؤولياته- إلى العام الذي يمضي بكل ما حدث فيه، يصرخ ويقول إن “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ -بالله- كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ”. قد تكون هناك إنجازات ونجاحات ومشروعات وتنسب للمسؤول على أي مستوى… ولكن الله هو الذي “صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ” (جا 3: 11).

عطية الله للإنسان 

إن الزمن هو عطية الله للإنسان وهو ما نسميه “العمر”، وهذا العمر هو الوعاء الذي نملأه بأفعالنا وأفكارنا وأعمالنا وإبداعاتنا بحسب عطية الله الثلاثية أي: العقل (الفكر) والقلب (الحب) واليد (العمل) وهي التي تسمى Head – Heart – Hand :3H. وهذه الثلاثة هي حرية الإنسان فيما يفكر وفيما يقول وفيما يفعل.

والمهم للإنسان الروحي أن يفتدي الوقت (أف 5: 15) أي أن يجعل وقته، أي أيام عمره، ثمينة وغالية وممتعة، مثل ساعة فداء الإنسان على الصليب وكيف كانت ساعة فاصلة في حياة البشر الذين يبحثون عن خلاصهم وأبديتهم.

ويقولون إن الإنسان يحتاج في حياته إلى 3T وهي: Touch – Talk – Time (الوقت – الحديث – اللمسات).

ويطيب لي أن أشرح كلمة “الوقت” في حروفها الإنجليزية Time: حرف Today = T أي “اليوم”، أي أن تعيش بلا تأجيل فيكون كل يوم له ثمر وله عمل وفيه مسؤولية. ويقولون إن التأجيل هو “لص الزمان”، ونحن نصلي في نصف الليل أن يحمينا الله من تسويف العمر باطلاً .

حــــــــــرف Investment = I أي “استثمار”، لأن المهم كل يوم هو استثمار الوقت في المفيد والصالح والذي يبني الإنسان ويخدم الآخرين. إن عطية الوقت لا يمكن أن تستعوض فاليوم أو الساعة التي تمضي من حياة الإنسان ليس لها بديل، ومن هنا جاءت قيمة الوقت الذي هو أغلى هدية عند الإنسان.. وعندما يمنح الإنسان مثل الأب أو الأم وقتًا من حياتهم إلى أبنائهم بصورة مباشرة فهذا دليل على أنه يحبهم حبًا حقيقيًا.

حرف Mission = M أي “رسالة أو مسؤولية”، فالله يمنحك عمرًا لكي تؤدي رسالة. الله خلقك لأنه يحبك وأراد لك مسؤولية وعمل، وهو يُعدّك ويدربك ويختبرك، وله خطة لحياتك تستلمها منه يومًا بعد يوم. والمهم هنا حالة الرضا والتسليم مع الأمانة والاجتهاد التي تمارس بها مسؤولياتك أو الرسالة التي قصدها الله من وجودك على سطح هذه الأرض. لا يهم حجم الرسالة صغيرة أو كبيرة المهم الأمانة التي تؤدي بها رسالتك “كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ 2: 10). وهذه الآية تنطبق على أي إنسان مهما كان زمانه أو مسؤولياته أو رسالته لأن نصفها الأول يتم على الأرض ويكتمل نصفها الثاني في السماء.

حرف Eternity = E أي “الأبدية”، بمعنى أنه يجب أن يكون وقتك أو عمرك لصالح الأبدية ونصيبك في ملكوت السموات فلا معنى أن تفني عمرك لأهداف أرضية قصيرة المدى بلا تطلع لأبديتك وحياتك الآخرة.. إن لم تكن كل أعمالك وأفعالك ورسالتك لتمجيد اسم الله الذي خلقك وأوجدك وأعطاك نسمة الحياة من عنده لتكون أنت رسالته على الأرض حتى تعود إليه مكللاً بالثمر الوفير بعد حياة أكملت فيها السعي وحفظت الإيمان فيصير لك إكليل البر.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “ليس مهمًا أن تكون شمسًا (أي مشهورًا ومعروفًا وذو مسؤولية أو منصب كبير)، أو أن تكون قمرًا (أي متوسط الشهرة والمسؤولية)، أو حتى نجمًا (أي صغيرًا في الحجم أو المسؤولية)، المهم أن تكون في السماء”.

الشاب الغني 

وسؤال الشاب الغني الذي جاء المسيح يومًا قائلاً: “مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” (مر10: 17) يجب أن يكون حاضرًا أمام عينيك يوميًا فتستطيع أن تتخلص من ضعفاتك عندما تكتشفها وتنقي قلبك من الشوائب والخطايا وحينئذ تستطيع أن تعاين الله في الأبدية (مت 5: 8).

تمنياتي بعام سعيد مفرح لجميعكم فيه تمجيد الله الدائم وفيه السلام على بلادنا وكنيستنا وفيه الفرح لكل البشر

كل سنة وأنتم بخير وصحة وسلام

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=9716

موضوعات ذات صلة

قصة ميلاد مَدرسة

المحرر

على جبهة الذكاء الاصطناعي

محرر الموقع

عودة الإرهاب إلى دارفور

المحرر

كلمة السر

المحرر