ثقافة وأدبسليدر

“بلاد جان”.. بعثٌ جديد تحت شمس الحب والوطن


من ذاكرة مؤرّقة بأطلال حب ضائع ومشاهد انتهاك الإنسانية على يد الاحتلال الغربي في بقاع البوسنة وفلسطين ووصولا لساحل العاج الإفريقي، تنهمر الرسائل بين مراسلٍ حربي مصري وطبيبٍ نفسي فرنسي، وكأنها محاولة للنجاة بالبوح حتى مع الآخر الذي أشعل سنوات الاحتراق بصمته!
في رائعته الأحدث “بلاد جان” والصادرة عن “بيت الحكمة”، يرسم الدبلوماسي والروائي المصري أحمد فريد المرسي، وجهًا آخر لحكاية الأرض ومن عليها وأسئلة العدالة الغائبة في عالمنا.
في الرواية يتحول طبيب النفس الفرنسي “دستان” إلى حالة من الدهشة أمام مريضه المصاب باكتئاب نتيجة إصرار ذاكرته على اجترار مشاهد القسوة التي عاينها كمراسل حربي. يصبح الطبيب النفسي كما لو كان بهلوانا في عين مريضه، والذي يشعر بالغضب لأن شعوب العالم الحر تتشدق بحقوق الإنسان لكنها تنتخب جنرالات الإبادة والنهب لبلدان العالم الثالث.

الهروب من الماضي
“الحب فقط هو ما يشفي النفس. والأيام قد تواسي حيرة العقل لكنها لا تضمد جراح الوجدان” يحيلنا إهداء الرواية إلى “خيط النور في ظلماء عمره”. وقد كان الحب هو ضالة “سراج” الصحفي الذي نشأ في بيت صحفي ناصري عريق شغل مناصب مرموقة، لكنه فشل في احتضان ابنه، أو مد جسور التفاهم مع زوجته الفنانة الأرستقراطية والتي ظلت تعاني تجاهله لمشاعرها، حتى قررت مغادرة قفصه الذهبي والهجرة لباريس. من هذه التراجيديا نرى تعلق الابن بذاكرته معها؛ بلوحات رسمتها، وبصور قديمة تجمعهما، وبرغم قسوة هجرها في لحظة كان يستعد فيها للزواج من حب عمره الطبيبة “درية” .

تتأجج ذاكرة البطل بمشاهد القسوة في سربرنتيسيا بالبوسنة التي ذهب إليها في مهمة عمل في أواسط التسعينيات؛ تقتله مشاهد الرؤوس المحزوزة لنسوة وأطفال والمقابر الجماعية والتي أوت حتى أقرب رفاقه في رحلته ضمن بعثة السلام. وكأن الرواية تحيلنا من جديد لما تفعله إسرائيل اليوم من استهداف لعيون الحقيقة في فلسطين.
يتنامى الشعور بالعجز فيستحيل حلم البطل الذي يعود بعد الحرب لحبيبة تنتظره، كما في الملاحم القديمة. هذا البطل الآن الذي يرفض حتى مجرد إنجاب طفل لعالم قاس. ويقتل حب زوجته بقلب بارد متألم.

ضفاف العزلة والأنس
في رحلة القطار التي تستهل الرواية بمشاهدها، تطرق الأسئلة الوجودية نفس البطل وتزلزلها؛ أين تكمن السعادة؟ وماذا نفعل مع قبضة الزمن التي تعتصرنا وتجعل العمر يتسرب من أيدينا؟… ينادي حبيبة ذهبت ولن تعود!
والرواية مكتوبة بنفس شعري عميق. كل جملة فيها تصلح بيتا في قصيدة. كل فقرة تصلح قصة قصيرة مدهشة. مشهد قطار أسوان مثلا الذي يعجّ بالركاب الذين فجأة يبدون كما لو كانوا مجرد أشباح.
تأتلق اللغة بمعجم بديع في السرد لكن أحيانا يبدو حضور العامية في مونولوج داخلي دالا، كأن يقول البطل: لما بمشي في الغيطان وابص على النيل والجبل بحس اني رجعت تلات تلاف سنة.. ملوك واسر حكمت واندثرت لكن بقي الانسان وحده يملك مفاتيح الخلود”.
ويبرع السرد في استنطاق المكان بأسراره. يقول البطل الذي ترك أوروبا ووجد في أسوان سكنا لروحه:”من فوق الجزيرة الصغيرة كانت تتلألأ امام عيني أنوار القرى بالضفتين. وعند سفح الجبل البعيد ببر المدينة الغربي مصابيح لكل منها حكاية. كلما أبصرت ما حولي تبصّرت بذاتي”
وحين نعود للقاهرة ستحمل سطور الرحّالة قدرا من سحرها وسيرة انتصارات وانكسارات على جدرانها وزحامها فأنت تحبها “لأنك تتعلم أن تسير فيها ولو بحذاء ضيق فوق أرض وعرة”! يختلف هذا الوصف عما كان عليه في باريس حيث كل شيء ضبابي وبارد وبما يتلاءم تماما مع عزلة البطل الشعورية عن الغرب.

الأنا والآخر
يقول “سراج” لطبيبه “دستان”: إنه عالم الهامش الذي أشعلتم بخيراته مشاعل تطوركم في القرون الاستعمارية فأحلتموه جحيما وتركتم سفن الفارين لتغرق أمام سواحلكم!
تتنوع ضمائر السرد في ملحمة “بلاد جان” بين أنا ساردة مسترسلة في استدعاء الذكريات. وبين سارد عليم يجعلنا أقرب لتفسير الأحداث. تظهر الشخصيات الثانوية وتتبخر بعد انتهاء دورها؛ نرى مثلا عبد المولى الشاب الأسمر والذي يملأ بيت سراج دفئا بثرثرته عن الجنوب. ونرى في أبيدجان عائشة وسيط المخابرات لدى عصابة السلاح والتي تسعى لاستقطاب سراج. بل وحتى الطبيب دستان يصبح مجرد ردة فعل مقتضبة لرسائل مطولة من سراج وكأنه وسيلة للبوح والمكاشفة.

في بلاد الإيفوار
بحثا عما يكسر رتابة حياته، يسافر البطل لأبيدجان عاصمة ساحل العاج، ليصبح عضوا في شركة أمن يقودها صديقه المغربي “عمر” . وقد اختار الراوي اسم روايته “بلاد جان” لأنه رآها بعيون مختلفة؛ فهي بلاد لا تسكن في الليل بل تستدعيه كساحر لعوب وفي النهار يختفي مردة الليل ولا يظهر لهم أثر!
ومن خلال الحبكة المشوّقة نعرف الكثير عن كواليس شركات الأمن ودورها في إفريقيا والأموال التي تنفقها الاستخبارات الغربية لجعلها أداة استحواذ لبلادها على الأرض السمراء.

تراجيديا علب الليل
ملهى “زيزي” هو مسرح هام للنصف الثاني من أحداث الرواية؛ حيث يستضيف الصفوة عربا وعجما في قلب أبيدجان العاصمة، تديره قوّادة تذكرنا بعادل أدهم في فيلم “آه يا ليل يا زمن” وهو يمعن في إذلال المطربة وسحب جواز سفرها لتظل خاضعة لسوق بيع الجسد. يتكرر السيناريو هنا مع فتيات بائسات خرجن من علب الفقر والتهميش والنخاسة لهذا المصير.
في هذا المستنقع نرى “رجاء” أو “رجا” الأمازيغية، والتي تحضر معنا من بدء الرواية دون أن ندري وهي ترعى عنزاتها فوق جبال الأطلس. تجسد الرواية حياة البؤس التي رمتها في حضن رجل غريب وجعلتها أما تعول طفلا وحيدة ثم رمتها لملاهي كازابلانكا ومنها لإفريقيا، بينما يعتمل صراعا داخلها برفض هذا الجحيم.
في الرواية تتجسد مشاعر الحب حين يصبح سراج هو القشة التي تتعلق بها الغريقة المغربية. الوحيد الذي رفض إذلالها لقاء المال. بدا سراج في الرواية غارقا هو الآخر في مستنقع ذكريات مؤلمة وفي واقع يتورط فيه مع عصابات السلاح وتهريب الذهب، لكن خوفه لم يمنعه من حماية إنسانة تسعى للهروب من جحيم ملاهي بيع الجسد، كان صراعا تحت السطح يعتمل في نفسه ويتأرجح بين حبه وشفقته عليها. وفي تطور الحبكة لاحقا سنرى كيف سيجمع القدر بين سيدتين في باريس تتحرقان شوقًا للقاء ولديهما المحتجبين في بلدان بعيدة!!

شمس الحرية
نجح السرد في رحلته الزمنية للاقتراب من محطات هامة على الصعيد النفسي للبطل وعلى الصعيد الجمعي السياسي الملتهب مع نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، ليربط جرائم المستعمر الغربي من دعم الصرب في جرائم البوسنة ووصولا لإزكاء فرنسا صراع ساحل العاج وحرمان الحكومة للولايات الشمالية المتمردة.
في “بلاد جان” نصبح أقرب لتأمل لحظة إشراق البطل بعد سنوات الاحتراق. لم يكن البطل يعلم أن ثورة الإيفواريين في العاج للحصول على حقهم في الخبز وفي الأمن لأطفالهم وفي الكرامة ستصبح اللحظة التي يجد فيها ذاته الضائعة. يهتف للحرية وكأنه يتخفف من شعوره الثقيل تجاه كل الضحايا.. كانت لحظة بعث تشبه العنقاء من رماد النار. وقد تمنى أن يُبعث فيها من جديد!

اقرأ أيضا: سمير الفيل: أكتب وعيني على الطبقات الفقيرة

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13242

موضوعات ذات صلة

مفكرون وباحثون: لا استقرار للمنطقة بدون الدولة الفلسطينية

المحرر

إعادة رسم ملامح البحر الأحمر ليصبح وجهة عالمية

المحرر

الاتحاد الشبابي يفتح أبواب القيادة للشباب

المحرر

طلب إحاطة بشأن سوء الخدمات بمطار القاهرة الدولي

المحرر

تعاون بين مصر وبرنامج الأغذية العالمي لمواجهة المناخ

عمر عزوز

قضايا الحرية والهوية والاغتراب تشغل 5 مجموعات قصصية

المحرر