
يحل اليوم الأربعاء السابع من يناير ذكرى ميلاد الفنان الراحل حمدي غيث، أحد أعمدة الفن المصري والعربي، والذي وُلد في قرية شلشلمون التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية في السابع من يناير عام 1924، قبل أن يشق طريقه ليصبح واحدًا من أبرز الوجوه التي صنعت تاريخ المسرح والسينما والدراما التلفزيونية.
في سن الرابعة، انتقل حمدي غيث مع والدته وشقيقه الرضيع عبدالله غيث إلى حي الحسين بالقاهرة، حيث نشأ في أجواء أزهرية كان لها بالغ الأثر في إتقانه اللغة العربية وقدرته اللافتة على الإلقاء، وهي السمات التي ميّزت أداءه لاحقًا. كما لعبت والدته دورًا محوريًا في تشكيل وعيه الفني، إذ اعتادت اصطحابه إلى المسارح ودار الأوبرا منذ طفولته
التحق حمدي غيث بكلية الحقوق، وواصل دراسته حتى السنة النهائية، بالتوازي مع دراسته في معهد التمثيل، قبل أن يحسم قراره النهائي بالانحياز إلى الفن، رافضًا استكمال مسيرته القانونية، حتى بعدما أتيحت له فرصة بعثة دراسية إلى فرنسا لمدة أربع سنوات. وبعد عودته، أصبح أستاذًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، مسهمًا في تخريج أجيال جديدة من الفنانين.
أدوار خالدة في المسرح والسينما
بدأ غيث رحلته الفنية في الإخراج المسرحي، حيث أخرج عددًا من العروض المهمة، قبل أن يدخل عالم السينما عام 1954 من خلال فيلم «صراع في الوادي». وعلى مدار مسيرته، ترك بصمات لا تُنسى من خلال أدوار أصبحت علامات فارقة، من بينها شخصية الشيخ بدّار في مسلسل «ذئاب الجبل»، وريتشارد قلب الأسد في فيلم «الناصر صلاح الدين»، وأبو سفيان في فيلم «الرسالة»، وهو الدور الذي لم يُستخدم فيه صوته بسبب خلاف فني مع المخرج، رغم أن الصوت كان أحد أهم أدوات تميّز أدائه.
وعلى خشبة المسرح، تألق في تجسيد شخصيات أدبية عالمية معقدة، مثل ماكبث وهاملت وعطيل، مؤكّدًا قدرته الاستثنائية على التعامل مع النصوص الثقيلة والأداء الكلاسيكي.
حضور لافت في الدراما التلفزيونية
منذ ستينيات القرن الماضي، كان حمدي غيث حاضرًا بقوة في الدراما التلفزيونية، خاصة في الأعمال الدينية والتاريخية والاجتماعية، وشارك في مسلسلات بارزة مثل «محمد رسول الله»، و«الفتوحات الإسلامية»، و«الشهد والدموع»، و«بوابة المتولي»، و«لا إله إلا الله»، و«زيزينيا»، ليؤكد مكانته كفنان مثقف وصاحب رؤية.
نقابة الممثلين والحياة الشخصية
تولى الفنان الراحل منصب نقيب الممثلين لأكثر من دورة، وكان يتمتع بعلاقات إنسانية وفنية قوية مع عدد كبير من نجوم الفن، من بينهم سناء جميل، وسميحة أيوب، ونبيل الحلفاوي، ويحيى الفخراني، وفردوس عبد الحميد، ومحمد وفيق.

وعلى المستوى الشخصي، تزوج من زميلته في معهد التمثيل، وسافرا معًا في بعثة إلى فرنسا، قبل أن ترحل بعد عام واحد من إنجاب ابنتهما الكبرى ميادة. وتزوج لاحقًا من والدة ابنته الأخرى مي.
محطات صعبة ونهاية الرحلة
تعرض حمدي غيث في إحدى الفترات لاتهامات سياسية أدت إلى فصله من المسرح القومي، قبل أن يصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارًا بعودته إلى العمل، بعدما أعجب بأدائه لشخصية الصحابي أبو ذر الغفاري في أحد المسلسلات الإذاعية. وشكّلت وفاة عبد الناصر، ثم رحيل شقيقه الفنان عبدالله غيث، صدمتين قاسيتين في حياته، خاصة أنه استكمل دوره في مسلسل «المال والبنون» بعد وفاة شقيقه تحت إلحاح المخرج، وكان يعود من التصوير متأثرًا نفسيًا بشكل واضح.
رحل محمود حمدي الحسيني غيث في السابع من مارس عام 2006، بعد معاناة مع فشل في الجهاز التنفسي، عن عمر ناهز 82 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا وإنسانيًا لا يزال حاضرًا في وجدان الجمهور.
