
على رصيف ميدان المندرة شرق الإسكندرية، تقف الحاجة سميرة (٥٤ عاماً) ممسكة بيد حفيدتها الصغيرة المتوجهة إلى مدرستها الابتدائية. عقارب الساعة تجاوزت السابعة والنصف صباحاً، والزحام الخانق يحول المنطقة إلى ثكنة بشرية مكدسة بالموظفين والطلاب. تعلو أصوات أبواق السيارات الممتزجة بصرخات الواقفين أملاً في العثور على مقعد “ميكروباص” شاغر. المفارقة الصارخة هنا أن عشرات المركبات تمر من أمامهم فارغة تماماً، لكن سائقيها يرفضون الوقوف، رافعين شعار “تقطيع المسافات” لزيادة مكاسبهم المادية على حساب جيوب المواطنين المنهكين.
تتحرك السيارات ببطء شديد تحت التحويلات المرورية المؤقتة التي تزامنت مع أعمال التطوير الكبرى وهدم كوبري المندرة القديم لصالح مشروع المترو. وسط هذا التكدس، تلتفت الأعين يميناً ويساراً بحثاً عن شرطي مرور أو منظم يعيد الانضباط إلى الميدان العشوائي، لكن غياب الرقابة الميدانية في ساعات الذروة الصباحية يترك الركاب تحت رحمة العشوائية وجشع السائقين.
أزمة ممتدة
هذه المأساة لا تقتصر على بقعة واحدة؛ فالسيناريو نفسه يتكرر بحذافيره في منطقة فيكتوريا. هناك، حيث تلتقي المحاور المرورية، يتحول محيط الميدان إلى مصيدة للوقت. الموظفون يرقبون الساعات بقلق، والطلاب يفقدون حصصهم الأولى، بينما يتفنن السائقون في تقسيم خطوط السير الرسمية إلى أجزاء مجزأة ليجبروا الركاب على دفع الأجرة مضاعفة مرتين أو ثلاثاً للوصول إلى وجهة واحدة.
وعند الانتقال إلى أقصى غرب المدينة، وتحديداً في منطقة العجمي، تنفجر الأزمة بشكل أكثر عمقاً. الطريق الدولي ومداخل الهانوفيل والبيطاش تتحول صباحاً إلى ساحات شلل مروري تام. المسافة التي لا تستغرق في الأوقات العادية سوى دقائق، تصبح رحلة تمتد لأكثر من ساعة ونصف، حيث يشكو الأهالي هناك من النقص الحاد في حملات ضبط المواقف العشوائية، مؤكدين أن غياب التواجد الأمني المروري المنظم يمنح السائقين الضوء الأخضر لفرض قوانينهم الخاصة على الخطوط الحيوية التي تربط الغرب بشرق المدينة.
على مشارف المدارس والجامعات المحيطة بتلك المحاور، تبدو المعاناة أكثر وضوحاً على وجوه الطلاب وأولياء أمورهم الذين يقطعون رحلة أشبه بـ”جهاد يومي” لنيل العلم. الركض خلف المركبات المسرعة، والمشاجرات الصباحية المعتادة مع السائقين حول قيمة الأجرة، باتت تفاصيل روتينية تستهلك طاقة جيل المستقبل قبل أن تطأ أقدامهم الفصول الدراسية. هذه الضغوط النفسية والبدنية المتكررة لا تتسبب في تأخر الطلاب عن طابور الصباح فحسب، بل تؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي وتزيد من الأعباء المالية والنفسية الواقعة على كاهل الأسر السكندرية التي تطالب بحلول جذرية لحماية أبنائها.
حلول غائبة
الموضوعية تقتضي ألا نكتفي برصد الوجع، بل بالبحث عن مسارات الشفاء؛ حيث يشير مراقبون محليون إلى أن الأزمة يمكن تفكيكها من خلال شقين؛ أولهما تفعيل “المنظومة الرقمية” لغرفة عمليات المرور عبر نشر كاميرات مراقبة ذكية لرصد المخالفات الفورية لسائقي الميكروباص، وثانيهما التنسيق مع الهيئة العامة لنقل الركاب بالإسكندرية لتخصيص خطوط سير مباشرة ومكثفة لـ”الأتوبيسات الذكية” تغطي فترات الذروة الصباحية (من 7 إلى 9 صباحاً) لربط المندرة وفيكتوريا بشرق المدينة، والهانوفيل بالغرب، لكسر احتكار وجشع السائقين وإعادة الانضباط المفقود إلى الشارع.
يرى خبراء تخطيط الطرق أن الإسكندرية تمر بمرحلة انتقالية حرجة؛ فالجهود الحكومية المبذولة لتطوير المسارات واستحداث الدورانات المرورية تحت مسار المترو الجديد تعد خطوة استراتيجية ممتازة لتقليل الاختناقات على المدى الطويل. إلا أن الأزمة الحالية تكمن في “الفجوة التنظيمية” المؤقتة. فالتحويلات الجديدة تتطلب إدارة ميدانية صارمة وحضوراً مستمراً لرجال المرور لمواجهة السلوكيات العشوائية للميكروباصات ومنع تكدسها في غير الأماكن المخصصة.
يؤكد مواطنو الإسكندرية أن الأزمة لم تعد تتعلق بالطرق فحسب، وإنما بغياب الرقابة على “مافيا المواصلات”، حيث إن تسيير حافلات نقل عام مكيفة إضافية تابعة للمحافظة، وتكثيف الكمائن المرورية المتحركة لضبط السائقين الممتنعين عن تحميل الركاب، هما طوق النجاة الفوري لحين اكتمال المشروعات القومية الكبرى. وحتى يتحقق ذلك، تظل صرخات الصباح الباكر تبحث عن مجيب تحت سماء عروس البحر المتوسط.
