ثقافة وأدب

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

بين شغف الأمومة وخبرة التخصص، استطاعت الدكتورة رنا هاني أن تفتح بابًا كان موصدًا في أدب الطفل العربي. من خلال عملها المتوج بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مجال كتاب الطفل، لم تقدم مجرد قصة، بل وضعت بين يدي الأطفال والأهالي “دائرة أمان” تحمي أجسادهم وعقولهم.

في عمل مهني وإبداعي آمن بأن وعي الطفل هو خط الدفاع الأول عن مستقبله. نجحت الكاتبة في تحويل المفاهيم النفسية المعقدة إلى حكايات تفاعلية تلامس قلب الطفل وعقله. التقت صوت البلد بالكاتبة؛ لتحاورها حول أسرار “دائرة الأمان” وكيف يمكن للأدب أن يكون حصنًا منيعًا لأطفالنا.

بين فرحة الفوز وثقل الأمانة التي يحملها هذا التقدير، كيف تُرجم شعوركم بلحظة التتويج؟ 

الفوز بالجائزة هو اعتراف حقيقي بأن قضايا الطفل النفسية والجسدية لم تعد موضوعات هامشية، بل أولوية مجتمعية قصوى. هو تأكيد على أن الكتابة الصادقة، حين تنطلق من فهم علمي وإنساني، تصل وتؤثر.

من هم رفقاء الدرب الذين تهدينهم هذا الإنجاز؟

أهدي هذه الجائزة أولًا لولديَّ، أنس وزين؛ فهما شرارة البداية والمحرك الأساسي لكل عمل أقوم به، فكل ما أكتبه ينبع من قلبي كأم ترى في طفليها الأمل والأمان، وتحلم بأن يحيط بكل أطفال العالم. كما أهديها لزوجي، الداعم الأكبر الذي لولا مساندته وإيمانه برسالتي لما حظيت بهذه المساحة من الإبداع والعمل.

وأخيرًا، أهديها لكل طفل يحتاج أن يشعر بالأمان، ولكل أم وأب يجاهدون لحماية أبنائهم في عالم معقد، ولكل متخصص آمن بأن التوعية المبكرة حق وليست ترفًا.

الطفل الصامت

وقع اختياركم على عنوان “دائرة الأمان”.. فما الدلالات النفسية والتربوية الكامنة خلفه؟

“دائرة الأمان” ليست مجرد عنوان، بل هو مفهوم نفسي عميق. ترمز الدائرة إلى المساحة التي يشعر فيها الطفل بالاحتواء، والاحترام، والقدرة على التعبير دون خوف؛ وهي المنطقة التي يدرك فيها الطفل أن جسده وحدوده ومشاعره مقدسة، وأن هناك دائمًا “بالغًا آمنًا” يمكنه اللجوء إليه.

هذا العنوان يمثل نشاطًا تطبيقيًا داخل الكتاب، يتدرب عليه الأطفال في ورش العمل التي أقدمها لتعليمهم مفاهيم الأمان الجسدي والخصوصية بشكل عملي وملموس.

لكل عمل أدبي شرارة أولى؛ فمن أين استلهمتم فكرة الكتاب؟ 

مصدر إلهامي هو الطفل نفسه، خاصة “الطفل الصامت” الذي لا يملك لغة للتعبير عما يمر به. استلهمت الفكرة أيضًا من القصص الواقعية التي لمستها خلال عملي مع الأطفال والأسر، حيث لاحظت فجوة كبيرة بين احتياجات الطفل النفسية وبين ما نقدمه له فعليًا من وعي وأدوات حماية.

تفكير الطفل

كيف نجحتم في تسخير تخصصكم في الصحة النفسية والتربية الإيجابية لصياغة عمل أدبي يحاكي صراعات الطفل الداخلية؟

تخصصي في الصحة النفسية والتربية الإيجابية كان حجر الأساس في بناء هذا العمل. كما أن خبرتي في تقديم ورش عمل حول التربية الجسدية والتوعية الجنسية ساعدتني على فهم طريقة تفكير الطفل، ومخاوفه غير المعلنة.

لقد مكنني تخصصي من تبسيط مفاهيم كبرى مثل الخصوصية، والحدود، والأمان، دون اللجوء لأسلوب التخويف. لذا، فالكتاب ليس وجهة نظر شخصية، بل هو عمل مبني على أسس علمية تراعي نمو الطفل واحتياجاته النفسية.

لغة آمنة

الكتابة للطفل في موضوعات الحماية والخصوصية مغامرة حساسة؛ ما أصعب التحديات التي واجهتكم لتقديم رسالة عميقة دون إثارة خوف الصغار؟

كان التحدي الأصعب هو تحقيق التوازن، أن أقدم رسالة عميقة وحساسة بلغة بسيطة وآمنة، لا تثير رعب الطفل ولا تسطّح الفكرة في آن واحد. كان من المهم جدًا ألا يتحول الكتاب إلى وعظ مباشر، بل إلى تجربة تفاعلية يشعر فيها الطفل بأنه جزء أصيل من القصة.

صوتك مسموع

لو أردنا اختصار فلسفة الكتاب في عبارة واحدة تكون ميثاقًا لكل طفل، فما الاقتباس الأقرب لقلبكم؟

“جسمك ملكك… ومشاعرك مهمة… وصوتك لازم يتسمع”.

هذا المعنى هو جوهر الكتاب وفلسفته، وهو الحق الذي أسعى لغرزه في نفس كل طفل، وإن اختلفت الصياغة داخل الصفحات.

طلب المساعدة

ما القضية الجوهرية التي يسعى الكتاب لزرعها في وعي الطفل والأسرة تجاه مفهوم الحدود الشخصية؟

القضية الأساسية هي حق الطفل في الأمان الجسدي والنفسي، وضرورة إدراك أن التعدي على الحدود قد لا يأتي دائمًا من شخص غريب أو مخيف كما نصور للأطفال، بل قد يحدث في الدوائر المقربة أو بين الأقران.

هدفي أن يثق الطفل في مشاعره حين لا يشعر بالارتياح، وأن يتعلم الفرق بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة، وبين السر الجيد والسر المؤذي، وأن يدرك أن طلب المساعدة شجاعة وليس ضعفًا.

بين السرد القصصي والرسوم التوضيحية، كيف رسمتم ملامح التناغم لضمان وصول الرسالة بشكل تفاعلي ومبسط؟

اعتمدنا على السرد القصصي التفاعلي، واستخدام لغة بسيطة تحاكي عقل الطفل، بالإضافة إلى طرح أسئلة تحفز التفكير المنطقي للبحث عن حلول عملية وقت الخطر. كما تضمن الكتاب أنشطة لتدريب الطفل على رسم “دائرته الآمنة” وفهم حدود جسده، مما جعل الرسوم والنصوص تعملان معا كأداة تعليمية متكاملة.

الوعي والاحتواء

من واقع خبرتكم، كيف ترون مستقبل أدب الطفل كأداة لبناء الشخصية؟ 

أدب الطفل يتجه اليوم ليكون أداة تربوية ونفسية فاعلة، تتجاوز حدود الترفيه المجرد. يمكن استغلاله في بناء الوعي المبكر، ودعم الصحة النفسية، وفتح قنوات حوار حقيقية بين الطفل والبالغين؛ فالكتاب الجيد هو مفتاح لحوار قد يغير مجرى حياة طفل.

بعد هذا النجاح، هل سنشهد امتدادًا لرسالة دائرة الأمان في مشاريعكم المستقبلية؟ 

نعم، هناك مشاريع قادمة تكتمل بها رسالة دائرة الأمان، تركز على الوعي الجسدي والنفسي، وبناء الحدود الصحية للأطفال والمراهقين بأسلوب يحترم قيمنا وثقافتنا. جميعها تنطلق من فلسفة واحدة: “التربية بالوعي لا بالخوف، وبالاحتواء لا بالسيطرة”.

 

اقرأ أيضا:

سعيد شحاتة: “فريدة” جدارية وجع.. أشفق على مقتنيها

بعد فوزها.. الشرقاوي تكشف أسرار “ترنيمة عصفور أزرق”

هناء متولي: هكذا تتحول الغرفة الضيقة لأفق للتنفس

الأمثال الشعبية.. بوصلة أخلاقية في عالم التجارة والأعمال

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=13661

موضوعات ذات صلة

رواية جديدة لزينب عفيفي “السماء لا تمطر حكايات”

أيمن مصطفى

كتاب مصر يختارون ممثليهم في 12 محافظة

أيمن مصطفى

خليل زيدان: تكريمي بنقابة الصحفيين انتصار لمنهج التوثيق

أيمن مصطفى

محمد نبيل: الواقع فرض رقمنة الكتاب على صناعة النشر

المحرر

الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية لدعم مجتمع الأعمال قريباً

المحرر

مفكرون وباحثون: لا استقرار للمنطقة بدون الدولة الفلسطينية

المحرر